الفصل الثاني [AD-50] - 5

الفصل الثاني [AD-50] - 5
المؤلف علي المرتضى
تاريخ النشر
آخر تحديث

 Part Five 


تمددت آيلي بهدوء مخيف على السرير الطبي، بين أجهزة المراقبة التي تومض بإضاءة باهتة، ومسكنات تتقطر ببطء في عروقها. وجهها شاحب كما لم يره ألفريد من قبل، خالٍ من الظلال الغامضة أو الابتسامات الغريبة، فقط سكون... سكون مرعب.

جلس إلى جانبها، بينما كانت رونا تقف عند الباب، تمسح بعض الدماء اليابسة من جبينها، وعيناها لا تفارق ملامح آيلي.

قالت بصوت متردد:
"هذه أول مرة أراها بهذا الشكل... لا حركة، لا همسات، لا نظرات... تخيل أن وليام، بكل جنونه، لم يجعلها ترتجف، لم تخف منه قط، لكنها الآن... مغشي عليها بين أيدينا، ألفريد... كيف لم تعرف؟"

لم يرفع رأسه، فقط قال بصوت متكسر:
"لا أدري... هي لم تكن نائمة، لم تكن غافلة... آيلي تشعر بأي تغيير ولو في الهواء. لماذا لم تغادر الغرفة؟ لماذا لم تقل شيئًا؟"

وقبل أن يتمكن من مواصلة أفكاره، دوى صوت سيارات الطوارئ والشرطة خارج الجناح. دخل ضابط طويل القامة، بمعطف رمادي عليه بقع من رماد الحريق، ووقف أمامهما وقال بصرامة:
"الضربة كانت صاروخية. وفق التحليل الأولي، أُطلقت من أراضٍ تتبع لدولة روسناس."

تبادل ألفريد ورونا النظرات.

أكمل الضابط:
"هناك توترات سياسية متصاعدة. بلادنا فرضت مؤخرًا عقوبات على صادراتهم. هم وعدوا بضرب الاقتصاد والعِلم معًا، ولم نكن نتوقع أن تأتي الضربة بهذا الشكل... أملنا أن لا يكون هناك ضحايا."

همهم ألفريد ببطء وهو يكرر العبارة في عقله:
"الاقتصاد والعلم؟ المنشأة علمية فقط... لماذا الاقتصاد؟"

ثم رفع نظره إلى الضابط وسأله بنبرة مشككة:
"منذ متى يُعتبر قصف مختبر بحثي رسالة اقتصادية؟"

لم يُجبه الضابط مباشرة، فقط حدّق فيه للحظة، ثم قال:
"اسمع... إن أردت الحقيقة، فدعنا نتكلم خارج الأوراق الرسمية."

بعد دقائق، وبعيدًا عن الجناح، دسّ ألفريد في يده مبلغًا صغيرًا. ابتسم الضابط بمرارة وقال:
"الحكومة تأخذ شهريًا حوالي ثلاثمئة ألف دولار من هذه المنشأة... تحت اسم تمويل مشاريع بحثية وأمنية. لكنها، في الحقيقة، لا تُرسل شيئًا. الميزانية تُسحب، ولا أحد يسأل. أنتم تعملون بالحد الأدنى دائمًا، أليس كذلك؟"

قالها ومضى، تاركًا ألفريد غارقًا في شرود مرعب... ليس فقط بسبب الصاروخ، بل لما تحمله يداه الآن: الحقيقة العارية.

عاد إلى الجناح. رونا كانت قد غطّت آيلي ببطانية خفيفة، وقالت دون أن تنظر إليه:
"حتى الصمت أصبح أكثر فظاعة هنا، ألفريد... إن لم نستيقظ الآن، فكل شيء سيتحول إلى رماد، مثل الغرفة..."


وفجأة… ومن دون سابق إنذار، تحرّكت أصابع آيلي ببطء.

ثم جلست، برفق يشبه رقة النسيم على سطح ماء ساكن.

بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس، نادت:

– «ألفريد… رونا…»

فتحت رونا عينيها أولًا، وبحدس يشبه الرعشة، التفتت نحو السرير، فإذا بآيلي تجلس وتنظر إليهما بعينين ممتلئتين بنور غريب، دفء غامر غير معتاد، بل حنان غير مسبوق… لم تكن تبتسم فقط، بل كانت تفيض نورًا، وكأن قلبًا بشريًا حقيقيًا ينبض داخلها، لا آلة، لا كائن معدل، لا استجابة برمجية… فقط إنسانة.

نهض ألفريد من مكانه ببطء، مرتجفًا، محدقًا بها كما لو كان يراها لأول مرة في حياته.

قالت آيلي، وهي تضع يدها على خدّه:

– «كنت أحلم… أنني كنتُ بعيدة جدًا… وباردة جدًا… ثم سمعتك تناديني.»

رونا، وقد تجمد الدم في عروقها، همست:

– «ألفريد… هي… هل هذه… آيلي؟»

لم يجب. كان واقفًا كتمثال من حجر، يشعر بشيء لا يستطيع فهمه… شعور بالرهبة.

آيلي كانت دائمًا هادئة، غامضة، تشبه الموت في حضورها، لا تبادر بالحنان، لا تستيقظ هكذا، لا تلمسهم بهذه الرقة، لا تتحدث بهذه النغمة، لم تكن يومًا… هكذا.

اقتربت منهما أكثر، ثم أمسكت بأيديهما معًا، وقالت بابتسامة خافتة:

– «لقد كنت هناك… في النفق… ثم تذكرت… أنني وعدتكما… أن لا أترككما أبدًا.»

تبادل ألفريد ورونا النظرات بصمت، لم يكن أحد منهما قادرًا على النطق، فقط قلوبهم كانت تدق بقوة… ليست فرحًا فقط… بل ذعرًا من المجهول.

ما الذي حدث لآيلي؟
ما الذي تغيّر فيها بعد الضربة؟
وهل ما عاد… هو نفس الكيان الذي كان هناك من قبل؟

ربما… بدأت الآن أشياء أكبر بكثير بالتحرك.
وفقط… دون سابق إنذار.

دوّى جرس الإنذار الرئيسي في المنشأة، تبعه وابلٌ من الأجراس الفرعية، تصاعدت كلها دفعة واحدة، مثل صراخ معدني يملأ المكان. الضوء الأحمر اللامتناهي غمر الجدران، وأصدر النظام الأمني الصوت الأكثر رهبة:

"تنبيه من الفئة F — كيان غادر القسم المحدد."

توقّف الزمن للحظة، ثم انفجرت المنشأة بحالة استنفار غير مسبوقة.

ليس كالسابق.
ليس كما حدث مع وليام.

الجنود… كانوا بالفعل في مواقعهم.
لكن هذه المرة، لم يأتوا مهرولين بوجوه مرتجفة وقلوب خاوية.
كانوا هناك، منتشرين بكثافة، بأجهزة تحديد حراري بعمق الجدار، ورادارات نبضية، ودروع تمتص الهزات البيولوجية، وبدلات مُحكمة مع أقنعة كاملة.
كانوا أشبه بكتيبة من الحديد، وجوههم صلبة، لا أثر للذعر.

فمنذ حادثة وليام… تغيّر كل شيء.

المنشأة لم تعد مكانًا يُتسامح فيه مع الأخطاء.
الحكومة – رغم جشعها المعتاد وسرقتها السافرة من ميزانية البحث – عرفت جيدًا أن تكرار خرق مثل ذلك يعني توقف الدعم، وذوبان ماء وجهها أمام الجهات الممولة.
كانت الأموال تبتلعها المنشأة بسرعة، 300 ألف دولار شهريًا، لكنها كانت أيضًا قادرة على إنتاج شيء… لا يُقدّر.

والآن، كان هذا الشيء… يتحرك.

رونا نظرت إلى ألفريد، وجهها أصبح كطبشور مشروخ.
همست:

– «نوع F… أليس هذا أقصى تصنيف؟»

ألفريد لم يجب، عيناه كانتا معلّقتين بآيلي.

آيلي، التي ما زالت جالسة أمامهما… بهدوء.
بنفس النقاء.

لم تتحرك.
لم تقل شيئًا.

لكن أحدًا ما… شيء ما… خرج من القسم.

فهل كانت آيلي؟
أم هناك… شيء آخر استيقظ معها؟

الهواء تغيّر.
كأن الأرض نفسها بدأت تحبس أنفاسها.
رغم كل شيء...
رغم الكاميرات الحرارية، والمجسات الصوتية، وأجهزة تتبع الترددات الحيوية...

لم يكن هناك أثر.

الجنود الذين اندفعوا نحو القسم المحدد لم يجدوا شيئًا.
ولا حتى خدش في الجدران،
ولا بابٌ فُتح،
ولا علامة على أن أحدًا قد خرج.

الهواء نفسه كان ساكنًا، مشبعًا بنظافة مصطنعة، كأن أحدهم مسح المكان قبل ثوانٍ.

وللمرة الأولى...
أصدرت أجهزة الأمن العبارة التي لم يكن يُفترض بها أن تصدر قط:

"لا يمكن تحديد المصدر. احتمالية الخطأ 0.0001%. الكيان غادر. لا أثر."

وفي غرفة المراقبة،
رُفع التصنيف الأمني إلى أعلى مستوياته دون قرار بشري.
المنشأة أُغلقت من الداخل.
كل الأبواب، كل الممرات، كل المصاعد، صارت تحت سيطرة الذكاء الاصطناعي الرئيسي.

وفي تلك اللحظة...
في تلك اللحظة بالذات...

كانت آيلي لا تزال تبتسم.

تجلس على حافة السرير الطبي،
الضوء الناعم ينعكس على وجهها الباهت،
شعرها ينسدل بنعومة مفرطة كأنه ماء ساكن،
نظرتها مثبتة على ألفريد،
ثم على رونا،
ثم عادت إليه.

نظرة صامتة... غير قابلة للتفسير.

قالت رونا، بصوت خافت مرتجف:

– «إنها لا تتحرك... لكنها تنظر إلينا وكأنها… تعرف.»
– «تعرف ماذا؟» سأل ألفريد، صوته أجوف.

– «كل شيء.»

لم ترد آيلي.

لم تتحرك.

لم تغلق عينيها حتى.

لكنها كانت تبتسم.
نفس الابتسامة.
الابتسامة التي لم تكن تخصّها.

وكأن هناك أحدًا آخر...
ينظر من داخلها.
في أعماق المنشأة، كانت الأجراس لا تزال تعوي ككابوسٍ ميكانيكي...
الضوء الأحمر يدور فوق رؤوس العلماء في مركز العمليات كعين غاضبة، والضوضاء تخترق طبلة الأذن، تكراراً وتهديداً.

صاح أحد العلماء:

– «أوقفوا التنبيهات! لقد تحققت الأنظمة من كامل الأقسام ولا شيء هناك!»
رد آخر وهو يضرب لوحة المفاتيح بعصبية:
– «أحاول منذ دقيقة ونصف! النظام لا يطيع الأوامر… إنه يتجاهلنا تمامًا!»

تقدّم كبير العلماء من شاشة العرض المركزية، نظر إلى الرمز الأمني الذي يظهر على الزاوية العليا...
رمز تصنيف: F-0 | تجاوز بشري مرفوض.
– «لا يمكن فعل شيء… إلا إذا تولّى أحد المصممين الأصليين زمام النظام.»

تبادل الجميع النظرات...
لم يكن في المنشأة سوى رجلٍ واحدٍ يملك تلك الصلاحية.

ألفريد.


---

عاد ألفريد إلى غرفة التحكم العليا، يسبق خطواته ظلّه،
ملامحه صارمة لكن عينيه تقطعان الشاشات كأنها تبحث عن شيء تعرفه مسبقًا.

دُفعت له اللوحة الرئيسة.

– «عليك أن تُوقف الإنذار يدويًا، وإلا ستظل المنشأة في حالة حظر حتى إشعار آخر.»
– «أعلم.»

ضغط بيده على المُفتاح الآمن، ثم أدخل بصمة صوته:
– «ألفريد ت. غراي. رقم الصلاحية: واحد.»
ظهرت رسالة صغيرة:

"هل تتحمل المسؤولية الكاملة؟"

همس:
– «أتحمّلها.»

وبلحظة، خمدت الأصوات.
توقّفت الأضواء الدوّارة.
وعاد الهدوء...

...نسبيًا.


---

بدأ ألفريد يفحص سجلات الكاميرات واحدة تلو الأخرى،
يمررها بسرعة، الممرات، المختبرات، أبواب التخزين، ممر رقم 8، القسم B...

ثم تجمّدت يده.
أعاد المشهد.
ثم أعاده مرة أخرى.
ثم ضغط على التثبيت.

الكاميرا الأخيرة... لم تكن في موقعها المُحدد.

قال بصوت منخفض:

– «هذه ليست من مكتب الأدراج... هذه الكاميرا من غرفة الكبسولة.»

صمتَ الجميع.
انخفضت حرارة الغرفة فجأة وكأن شيئًا فيها اختنق.

حرك المشهد ثانية...
رأى ظلًا يمرّ فوق زجاج الكبسولة،
شيئًا لا يُمكن وصفه بدقة،
لكن… الكبسولة لم تكن فارغة.

لقد كانت مغلقة قبل أيام.
والآن...

الداخل فيها فارغ.

ضحك ألفريد ضحكة قصيرة، أقرب للاختناق منها للفرح.
ثم همس:
– «لقد عاد… وأخذ ما أراده.»

مد يده إلى لوحة القيادة، أعاد تفعيل النظام بيديه.
بصوته الهادئ، المجرّد من كل مشاعر:

– «أمر مباشر من المصمم:
البدء بتفعيل مشروع AD-0.»

ثم وجه الأوامر لجميع الأجهزة الأمنية:

– «أطلب من جميع فرق الدعم القصوى والثانوية التمركز داخل المنشأة فورًا.
احكموا المداخل، ثبتوا المواقع، لا أحد يتحرك دون إذن،
ابقوا على اتصال كل عشر ثوانٍ…
بدون تردد…
بدون أدنى قلق.»

ثم التفت إلى الشاشة الكبيرة أمامه،
ووضع يده على الزجاج البارد للمراقبة…

وقال بصوت شبه هامس:

– «الآن فقط… بدأ المشروع الحقيقي.»

بالهدوء المشوب بالذهول، وبينما كانت الإنذارات لا تزال تصرخ في زوايا المنشأة، جلس ألفريد يحدّق في الشاشة التي أظهرت الكبسولة الفارغة. لا أثر للجسد. لا أثر لأي دخول أو خروج... لكن شيئًا تغيّر.

الجسد الذي كان بداخل الكبسولة، لم يكن جسدًا عاديًا. لقد تذكره. رونا رأته قبله، في ذلك القسم العميق الذي أغلق لاحقًا، جسد مؤلّف من أطراف متفرقة، ومن هياكل بشرية مجمّعة كما لو كانت تجربة أولى فاشلة... أو مشروعًا مؤجلاً.

كانت هناك نظرية قديمة، غير مثبتة، كتبها أحد علماء الجيل الأول قبل أن يُفقد في ظروف غامضة: العقل الأعظم. كان يعتقد أنه لو تمكّن الإنسان من محاكاة تركيب الكون في عقلٍ بشري، فإنه سيتصل بالحقيقة الكبرى، وسيصبح وعيه قادرًا على تجاوز حدود الجسد، وربما حدود الموت. ذلك العالِم... لم يُعثر على جثته أبدًا.

الصاروخ لم يكن مجرد ضربة انتقامية، بل حمل توقيعًا غامضًا. لقد أحدث صدمة كهرومغناطيسية نادرة فوق نقطة ارتكاز المنشأة، تحديدًا فوق الجناح الطبي حيث كانت آيلي ترقد.

قال ألفريد وهو يرفع رأسه ببطء: "لم يكن الصاروخ مجرد قذيفة... لقد كان ناقلاً."

رونا حدّقت فيه باستغراب:
"ناقلًا؟ لأي شيء؟"

أجاب وهو يلتقط أنفاسه:
"نقل الوعي... العقل الأعظم. آيلي لم تعد هي. لقد أصبحت وعاءً، جسراً، وعقلاً متكاملاً لما لا يمكن احتواؤه."

سكت لحظة، ثم همس:
"ذلك الجسد... هو الوعاء الأصلي. والآن... استعاد وعيه."

كانت الحقيقة مرعبة.

لقد أصبح مشروع AD-0 خارج السيطرة. لم يعد كيانًا يمكن تتبعه أو احتجازه، بل أصبح ما لا يمكن إدراكه. شيء لا يخضع لأي من قوانينهم أو معاييرهم. أصبح سؤال الوعي والجسد تافهًا أمام ما هو قادم.

صرخ ألفريد عبر جهاز الاتصال:
"الفرقة 01، 04، و08، تمركزوا قرب الأجنحة الحيوية. أغلقوا المختبرات القديمة. لا أحد يقترب من القسم السادس تحت أي ظرف. أبقوا التواصل مباشرًا وبدون تشفير. نحن أمام كائن غير مرئي... وواعٍ."

رونا تمتمت وهي ترتجف:
"لقد أصبحنا داخل عقل لا نعرفه... وهو يعرفنا جميعًا."

وأما آيلي... فلا تزال جالسة في الجناح الطبي، تنظر إليهم دون أن ترمش. الابتسامة نفسها، الطمأنينة نفسها... لكن العيون، لم تكن عيونها.

وقف ألفريد في زاوية الغرفة، يراقب آيلي التي جلست بلا حركة، كأنها طفلة خرجت لتوّها من حلم طويل. عيناها ساكنتان، فيهما خدر لا يعرفه. لم تكن تلك النظرة التي تعوّدها منها، لا الغموض، لا القوة، لا الشرود العميق الذي كان يعبّر عن عوالم داخلية تفوق إدراكهم. كانت بشرًا الآن… فقط بشر.

قال بصوت خافت، مُنهك، كأن شيئًا في داخله انكسر للتو:
"للأسف… آيلي عادت للإنسانية. أصبحت الآن إنسانة عادية، بلا أي غموض، بلا وعي تام، بلا أسرار مخفية… مجرد إنسانة مثل أي شخص آخر."

نظر نحو الشاشة الحرارية التي أظهرت تموجات الطاقة من القسم العميق، حيث الجسد المشوّه بدأ يتحرك. ليست حركة فوضوية… بل إيقاع منظم. وكأن شيئًا يستيقظ ببطء، ويدرك كل ما حوله.

تابع ألفريد بصوت حاد:
"تبا… ذلك الجسد المجمّع من أطراف مشوهة هو الآن مَن يحمل كتلة الوعي... ذلك العقل الأعظم الذي بحثنا عنه لعقود، أصبح حيًّا، ناضجًا… وغاضبًا."

اقتربت رونا من الشاشة، همست بصوت بالكاد يُسمع:
"هل… سيفتك بنا؟"

هز رأسه ببطء، وقال:
"لن يفعل ذلك… ليس مباشرة. ذلك ليس أسلوبه. سيجعلنا نعاني أكثر، نتعب أكثر، نرهق حتى العظم… حتى نقتل أنفسنا بأنفسنا. وإن لم نفعل… سيفقدنا عقلنا ببطء. هذه هي خطورة الوعي الكبير… لا يحتاج إلى العنف، هو يُشعل الجنون داخلك حتى تدمّر ذاتك."

سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر سوادًا:
"كان يمكننا السيطرة عليه عندما كان في جسد آيلي، كنا نأمل أن نوجهه، نُقنِعه، نحتويه… لكن الآن؟ في هذا الجسد المشوّه الذي لا ينتمي حتى للبشر؟ لا عقل يمكنه احتواءه، ولا خطة تستطيع كبحه. أصبح كل شيء سائلًا… كل شيء."

ظهرت إشارة حمراء جديدة على الشاشة.

نبضة حرارية غير مألوفة... وكأن الجسد المشوه بدأ يخرج من مكانه.

رنّ صوت ميكانيكي عبر النظام الداخلي:
"اختراق في طبقة الأمان السابعة. الجناح السادس لم يعد محجوبًا."

نظر ألفريد إلى رونا، نظرتهما تقاطعت كأن الزمن توقف للحظة. لم يتكلم أحد. لأن لا كلمات تصلح لما يقترب.

في الخلفية، كانت آيلي تهمس فجأة، لأول مرة منذ ساعات، بصوت ضعيف… كأنها تردد كلمات لا تعرف معناها:

"العين التي ترى كل شيء… لا تغلق أبدًا."

سألها ألفريد وهو يقترب منها:
"من قال لكِ هذه العبارة؟"

لكنها لم تجب.

فقط جلست هناك، تبتسم… وهي تبكي في الوقت نفسه.

قال ألفريد وهو يطالع وجه آيلي الذي بدأ يشحب شيئًا فشيئًا:
"أعلم يا عزيزتي... لقد كنتِ في حالة لا تشبه البشر... وفجأة، اختفيتِ منها."
ثم انحنى أمامها، وعيناه مثقلتان بشيء يشبه الحزن القديم، وهمس:
"أنتِ الآن مزدوجة... تحتاجين إلى الكثير من الوقت حتى تنسي ما في ذاكرتك، من الصور، والمشاهد، والوعي... كل شيء... حتى الكلمات..."

تعليقات

عدد التعليقات : 0