Part Four
آيلي لم تتزحزح، لكن الظل في نظرتها خفت قليلاً، وكأنها فهمت.
"كما تريد،" قالت بصوتٍ ناعم.
ثم استدارت، واتجهت نحو الممر الطويل، تمشي وكأنها تجر خلفها شيئًا لا يُرى.
رونا التفتت نحو ألفريد، صوتها هامسًا بالكاد:
"هي تعرف الكثير… أكثر مما توقعت…"
لكنه لم يجب. فقط حدّق في الباب الذي خرجت منه آيلي، وعيناه تتحركان كأنهما تراجعان شيئًا مرعبًا لم يعد من الممكن دفنه أكثر.
وهنا، اقترب ألفريد أكثر، صوته أصبح ألين، أقرب إلى الهمس... كأخ كبير يتحدث من بئر خيباته:
"رونا... لا تبحثي في الظلام عن الضوء. بعض الأسئلة لا تضيء... بل تبتلعك."
سكت لحظة، نظر إلى يديهما المتشابكتين، ثم قال دون أن يرفع صوته:
"فقط اتركي كل شيء، واسترخي. انسَي الموضوع كله."الليل ثقيل... والهواء في الغرفة لا يتحرّك.
رونا جالسة على طرف السرير، تنظر إلى الأرض، وكأن الظلال تحاول جرّ قدميها للأسفل.
صوت ألفريد لا يزال يتردد في عقلها:
«لا تبحثي في الظلام عن الضوء... اتركي كل شيء، واسترخي.»
لكنها لا تفهم.
كيف يُمكنها أن "تنسى" الآن؟
بعد كلّ هذه التشققات، بعد أن بدأ الضوء يتسرّب من جدران الأكاذيب، الآن فقط يُطلب منها التراجع؟
رفعت رأسها ببطء، وعينيها تتسعان في العتمة.
لماذا... لماذا تزوجها؟
أيعقل أنه يحبها؟
أم أنه فقط يُكمل ما بدأه والده؟
هل هذا زواج... أم ختمٌ لمخططٍ بدأ منذ عقود؟
نهضت دون أن تفكر، قدماها تتحركان وحدهما.
المنشأة صامتة، الجدران تنبعث منها برودة غريبة.
توقفت أمام الغرفة التي يسكنان فيها، ترددت، لكنها دفعت الباب بهدوء.
آيلي كانت جالسة على الكرسي أمام النافذة، تحدق في اللاشيء، كأنها تنتظر. لم تلتفت.
رونا وقفت خلفها، شعرت بنبض قلبها يصعد إلى حلقها، لكنها تحدثت:
"آيلي... أنا أحتاج أن أعرف."
آيلي لم تتحرك.
رونا تقدمت، صوتها أكثر جرأة الآن:
"بين كل هذا... كل هذه الفوضى، والملفات، والماضي، والتجارب، وتحوّلك... لماذا... لماذا تزوجتما؟"
لحظة صمت طويلة، حتى ظنّت رونا أنها لن تجيب.
لكن آيلي همست أخيرًا، وكأنها كانت تفكر بالسؤال منذ زمن أطول مما تتخيله رونا:
"لأننا كنا وحدنا في كل شيء."
رونا اقتربت أكثر، همست: "هل كان حبًا؟ أم أمرًا مبرمجًا؟ مشروعًا مكتملًا؟"
آيلي التفتت ببطء، ووجهها شاحب كوجه شخص رأى النهاية منذ البداية:
"لا شيء نقي بعد أن دخل العقل العظيم فينا. لا الحب، ولا الحزن، ولا نحن."
ثم نظرت إلى رونا مباشرة، لأول مرة، وقالت بصوت أقرب للشفقة:
"لكن في لحظةٍ ما... قررنا أن نكذب على كل شيء. أن نمسك أيدي بعضنا، ونمشي في الوهم... معًا."
رونا تجمدت، وعيناها ترتجفان.
لم تفهم... أو ربما فهمت، لكنها كانت ترفض.
همست كمن تتوسل: "لكن لماذا لم تقولي لي؟ لماذا أنا الوحيدة التي... تُركت في العتمة؟"
آيلي أشاحت وجهها نحو النافذة مجددًا وقالت:
"لأنك الوحيدة... التي لا يجب أن تُشعل هذا الباب."
لكن صوت آيلي تغير.
لم يعد هامسًا أو خافتًا... بل خرج منها بنبرة لم تسمعها رونا من قبل.
شيء يشبه الحنين، أو وجعًا دفينًا لم يُروَ.
قالت:
"لم يكن الأمر حبًا في البداية... لم يكن شيئًا يمكن تسميته أصلًا."
سكتت قليلًا، وعيناها تبحثان في الهواء عن شكل لذلك الشعور.
ثم تابعت، ويداها ترتجفان للمرة الأولى:
"كنت شيئًا ناقصًا... مجرد فكرة مكتوبة في تقارير والده. خلية بأمل... وصورة لطفلة ماتت قبل أن تُولد."
رونا لم تقاطع. لم تكن تجرؤ.
آيلي أكملت، ونبرة صوتها تتكسر شيئًا فشيئًا:
"لكنّه... لم يعاملني كنسخة، ولا ككائن تجريبي. لم يهرب، ولم يخف مني. حتى عندما بدأت أتحوّل... بقي."
تنهّدت، وغطّت وجهها بيديها لوهلة، قبل أن تكشفه ثانية، شاحبًا، لكنه دافئ للمرة الأولى.
"كان ينظر إليَّ كأنني أنا. فقط أنا... رغم كل ما أنا عليه."
ثم نظرت إلى رونا، وعيناها تغوصان في العمق:
"كنا طفلين نلعب في الخوف، نركض بين الأجهزة، ونصنع عوالم موازية تحت الطاولات... ثم كبرنا، لكننا لم نجد مخرجًا. فبقينا معًا... لا لأننا أحرار، بل لأننا قررنا أن نحب رغم أن كل شيء فينا خُلق ضد الحب."
صمتت، ثم همست:
"ربما لهذا السبب... لم نخبرك. لأنك الوحيدة التي بقيت حقيقية."
رونا تنفست ببطء، وكأنها تُدرك الآن أن سؤالها لم يكن عن مشروع أو زواج... بل عن مصيرها.
أشاحت وجهها نحو الأرض وقالت بصوت خافت:
"لكنني لا أعرف من أنا الآن..."
فردت آيلي، بصوت أقرب إلى طمأنينة الأمومة:
"ستعرفين. لكن لا تبحثي في الظلام... فقط افتحي الباب حين يُطرق."
أومأت رونا برأسها ببطء، وعيناها تلمعان بخليطٍ من الفهم المتأخر والعاطفة الصامتة.
ثم، ولأول مرة، اقتربت من آيلي بصدقٍ لا يخلو من الارتباك...
مدّت يدها برفق، ثم انحنت، وقبّلت جبينها برهفة من كان دائمًا يحترس... والآن قرّر أن يُصدق.
همست بصوت متقطع، يشبه الرجاء أكثر من النصيحة:
"اجعلي علاقتك بألفريد... جيدة. لا أحد يفهمه سواكِ...
هو أيضًا لا يملك أحدًا يشاركه كل هذا...
لا الأسرار، ولا الخوف، ولا حتى هذا الجنون."
رفّت عينا آيلي للحظة، كأن شيئًا دافئًا لمسهما.
لكنها لم تقل شيئًا.
بل وضعت يدها على يد رونا، بهدوءٍ نادر، كأنها تشكرها دون كلمات.
دارت لحظة طويلة بينهما، لم يكن فيها حاجة لأي حديث.
لحظة من صمتٍ أليف، بين اثنتين أدركتا فجأة كم كانتا وحيدتين، وكم كانتا تشبهان بعضهما أكثر مما ظنتا.
ثم نهضت رونا، ووقفت أمام الباب دون أن تفتحه.
استدارت، ونظرت إلى آيلي نظرة أخيرة، وقالت:
"أعتقد أنني سأبدأ من الداخل، وليس من الملفات...
ربما هناك، في داخلي، شيء لم أفهمه بعد."
وخرجت ببطء من الغرفة، تاركة آيلي في هدوئها الغامض.
لكن خلف ذلك الهدوء، كانت هناك نبضات جديدة...
وكأن شيئًا انكسر بداخلهما لتبدأ أشياء أخرى بالنمو.
حين فتحت رونا الباب ببطء وخرجت من الغرفة، فوجئت بألفريد واقفًا أمامه تمامًا، كأنه كان يستمع أو ربما... ينتظر. لم يبدُ عليه الغضب، بل نظر إليها بنظرة شاحبة ومرهقة.
ابتسم بخفّة بالكاد تراها، وقال بنبرة خافتة لا تخلو من السخرية:
"أوه، رونا... لماذا لا تبقين أكثر؟ دائمًا تذهبين عندما يصبح الحديث مثيرًا للاهتمام."
ترددت رونا، وعيناها تعلقتا بعينيه للحظة، كأنها تبحث عن تفسير لوجوده هناك. هل كان يتنصت؟ أم أنه فقط... لم يستطع النوم؟
لكن ألفريد لم ينتظر جوابها، بل أكمل بنبرة أكثر دفئًا:
"تعلمين، نحن لم نعد نملك الوقت الكافي لنفهم بعضنا لاحقًا... ربما لو بقيتِ أكثر، كنتِ ستسمعين ما يفيدك، أو... يؤلمك، أو ربما شيء بينهما."
سكت للحظة، ثم نظر خلفها إلى آيلي، التي ما زالت جالسة بصمت في الغرفة.
"آيلي ليست غامضة كما تظنين... أنتِ فقط تنظرين إلى الظل، لا إلى الأصل."
ثم التفت مجددًا إلى رونا وقال:
"أتعرفين ما المشكلة؟ أنكم تتوقعون مني شرح كل شيء... لكن هناك أشياء لا تُشرح، بل تُعاش.
ابقَي الليلة هنا، ليس من أجلها... بل من أجلي. أحتاجك أن تكوني هنا، الآن."
سكتت رونا للحظات، وكأن شيئًا في صوته — في طريقته — لم يكن عابرًا.
أجابت بصوت خفيض:
"أفكر أنني فقدت توازني، ألفريد... أبحث عن أجوبة، وأجد نفسي أغرق أكثر."
ابتسم ابتسامة باهتة، ووضع يده على كتفها:
"إذًا توقفي عن السباحة، واتركي التيار يأخذك حيث يجب...
تعالي، لدينا ليل طويل، وربما... أقل مما نعتقد."
ابتسمت رونا بهدوء، نظرت إلى عيني ألفريد للحظة ثم قالت بصوت خافت لكنه واضح:
"شكرًا لك، ألفريد... على كل شيء. وعلى كلماتك."
ثم خفضت عينيها قليلًا، وكأنها تزن مشاعرها، قبل أن تضيف بابتسامة صغيرة:
"لكن... أظن أنه قد حان وقت النوم، أليس كذلك؟ أنتما متزوجان، وربما... تحتاجان لبعض الوقت معًا. لا أريد أن أكون عبئًا الليلة."
لم يجب ألفريد فورًا، وكأن شيئًا في كلمتها الأخيرة لامس شيئًا خفيًا فيه. نظر إليها بهدوء، ثم قال:
"أنتِ لستِ عبئًا يا رونا... لكني أفهم."
أومأت له امتنانًا، وتراجعت خطوة للخلف، ثم نظرت داخل الغرفة نحو آيلي، التي كانت ما تزال جالسة، تنظر بصمت نحو الباب. لحظة خاطفة من التواصل الصامت بين الاثنتين، ربما فيها قبول... أو شيء أقرب للسلام المؤقت.
استدارت رونا ومضت في الممر المظلم، بينما ظل ألفريد واقفًا مكانه، يراقب ظلها يبتعد حتى اختفى. ثم أغلق الباب بهدوء، وعاد إلى الداخل حيث جلست آيلي، ما تزال صامتة، وما تزال تتابع بصمت كل ما يحدث.
جلس بقربها، لم يتكلما في البداية.
ثم، بهمس:
"قالت إننا نحتاج وقتًا معًا...
هل تعتقدين أن الوقت كافٍ، يا آيلي؟"
لم تجب، فقط وضعت يدها فوق يده برفق، ونظرت إليه بعينين فيهما شيء غريب... شيء يشبه الحنين الممزوج بالخطر.
جلست آيلي بجانبه، قريبة منه على نحو لم تفعله منذ فترة. لم يكن في عينيها ذاك الجمود المعتاد، ولا في صوتها ذلك الصدى الغريب المعتاد، بل كانت... هادئة، دافئة، تقطر كلماتها بعاطفة خفية، ناعمة لكن محددة، وكأنها لم تعد تتحدث كنسخة غامضة من مشروعٍ ما، بل كامرأة تعرف جيدًا ما تريد قوله.
قالت، وهي تنظر إلى يده التي تمسك بها:
"أتعلم، ألفريد...
لم أعد أكره هذا الشعور... أن يكون هناك من ينتظرني، من يعرفني... حتى لو لم يكن يعرف كل شيء."
ثم نظرت في عينيه، صافية النظرة، غير مشوشة كعادتها، وأضافت:
"قد أكون وُلدت من مشروع، أو من عقلٍ أراد شيئًا أبعد من الطبيعة...
لكن معك... أشعر أنني حقيقية بما يكفي.
أشعر أنني لست فكرة."
تجمد ألفريد لوهلة، ثم ابتسم، لكنها كانت ابتسامة صغيرة، مشوبة بحذر خفي.
"آيلي..." قال بهدوء، "كلماتك اليوم... مختلفة."
لم تتراجع، بل فقط مالت برأسها قليلاً وقالت:
"أردتك أن تسمعها... بهذه الطريقة.
لأنني لا أعلم كم من الوقت سأبقى قادرة على قولها بهذا الشكل."
ازدرد ألفريد ريقه ببطء، ولم يظهر عليه التوتر، لكنه داخليًا شعر بشيء غريب... الريبة، الهاجس، تلك التفاصيل الدقيقة في صوتها التي لم تكن تظهر سابقًا، وكأن أحدهم أعاد برمجتها على الحنين.
لكنه لم يعلّق، فقط ضم يدها بين يديه وقال بلطف:
"أنا سعيد أنكِ قلتِها."
لكن عينيه لم تبتعدا عن وجهها لحظة... يبحث في ملامحها عن شيء لم يجرؤ على تسميته بعد.
جلست رونا على الأرض، في ركن الغرفة التي طالما ملأتها برائحة الحبر الجاف وأزيز الشاشات. كانت الإضاءة خافتة، وصوت التهوية يهمس في الخلفية وكأن المنشأة كلها تتنفس ببطء. أمامها صندوق قديم، مغبر الأطراف، وكأن لا أحد لمسه منذ سنين.
بدأت تضع فيه الملفات واحدًا تلو الآخر، بعناية غريبة، ليست حذرة بقدر ما كانت حزينة. مجلد "AD-0"، ثم تقارير السلوك الطفولي لآيلي، ثم الصور الممسوحة من أرشيف الكاميرات، وحتى الرسائل التي لم ترسلها أبدًا لألفريد… كلها ذهبت إلى الصندوق.
همست، كأنها تعترف لنفسها:
"ليست كل الحقائق خُلقت لتُكشف…
وبعض الأسرار… لا تُفكّ لأنها لا تغيّر شيئًا."
شدّت شريطًا مطاطيًا حول الملفات، ثم أغلقت الصندوق، وتركته عند زاوية الطاولة. نظرت إليه لحظة، ثم أشاحت بعينيها. لم تكن بحاجة للمزيد من السهر، ولا من الأسئلة. كل شيء بدا واضحًا الآن، لكنه واضح بطريقة لا تمنح السلام، بل تطلب الصمت.
تنفست بعمق، ثم نهضت بهدوء. في داخلها، شعرت بثقل يتراجع، ليس لأنه زال، بل لأنها قررت أن لا تحمله بعد الآن.
خرجت من الغرفة ببطء، أطفأت النور، وتركت خلفها ذلك الصندوق كأنها تركت خلفها عقلها الثاني.
…وفي الحلم، لم يكن هناك صوت.
نفقٌ طويلٌ بشكل لا يُصدّق، ممتد في خطٍ مستقيمٍ كأن لا نهاية له، جدرانه ناعمة لكنها باهتة، لا لون فيها ولا حياة. الهواء ساكن، خانق، يحمل شيئًا لا يُرى… شيئًا يشبه النهاية.
وسط ذلك السكون، كانت آيلي مُمدّدة على الأرض.
جسدها ساكن، ووجهها شاحب أكثر مما هو في الواقع، أقرب للموتى منه للأحياء. شعرها منثور كأشعة رماد، وثوبها الأبيض ملطّخ بشيء لا يُميّز، كأن الزمان نفسه انسكب عليه.
رونا كانت هناك، واقفة، لا تعرف كيف وصلت. خطواتها لم تُسمع، أنفاسها لم تُشعر.
نظرت إلى نهاية النفق…
ضوءٌ أبيض، ساطع بشكل لا يُحتمل، كأن كل الوجود ينهار في بؤرة من النقاء، لكنه لم يمنح الأمان… بل الرهبة.
أرادت أن تصرخ، أن تنادي آيلي… لكنها لم تستطع.
فجأة، بدون سابق إنذار، حرّكت آيلي إصبعها ببطء… ثم رفعت رأسها، وعيناها فارغتان كأن فيهما الكون كله…
ثم همست، بصوت لم يُسمع بل وُجِد داخل قلب رونا:
"أنا لستُ هنا، لكنني لن أذهب أيضًا…"
ثم…
انهار الضوء.
وانقطع كل شيء.
استيقظت رونا فجأة.
نهضت جالسة، تتصبب عرقًا، وأنفاسها متقطعة. نظرت حولها… غرفتها كما هي، السكون، الضوء الخافت من الخارج، صندوق الملفات لا يزال في مكانه.
لكن هناك شيء في الهواء تغيّر.
كأن الحلم لم يكن مجرد حلم.
كأن آيلي…
لم تتركها بعد.
...لم تتردد رونا.
ما إن هدأت أنفاسها قليلاً حتى أمسكت هاتفها واتصلت بألفريد مباشرة، دون أن تنظر إلى الوقت.
كان صوته مرهقًا لكنه متماسكًا حين أجاب:
– "رونا؟ في هذا الوقت؟"
– "أحتاج أن أراك… الآن. أرجوك."
لم يُجادل. بعد دقائق كان في طريقه إليها، ومعطفه بالكاد موضوع بشكل صحيح، وعيناه تشي بأنه كان نائمًا بجوار آيلي.
التقيا في الممر المظلم قرب المختبر الجانبي، حيث لا كاميرات، ولا أنظمة مراقبة تعمل ليلًا.
رونا لم تنتظر:
– "كان حلمًا… لكن ليس مجرد حلم، ألفريد."
قالها وقد غاصت عيناها في عينيه.
هو تنهد ببطء، يحاول أن يبقى عقلانيًا.
– "رونا، أعرف أنك متعبة… وقد تكون هذه نهاية هوسك بالملفات، أو هذه المنشأة، أو—"
قاطعته بهدوء، بصوت خافت أشبه بالهمس:
– "لقد رأيت نفس الشيء قبل يومٍ من تجربة AD-50 على وليام."
سكت ألفريد.
هي أكملت، وعيناها لا ترمش:
– "كل شيء… نفس النفق، نفس الضوء…
لكن في ذلك الحلم… كانت هناك جثة رجل طويل… شعره ممزق ووجهه محروق جزئيًا، لكني كنت أعرفه…
كان وليام، بنفس طوله، بنفس تكوينه. وكان ممددًا في نفس الموضع، بنفس الهيئة…"
ثم ارتجف صوتها:
– "والآن عاد الحلم… ولكن بدل وليام… كانت آيلي."
ألفريد لم يقل شيئًا.
لم يرمش، لم يتحرك.
مرت لحظة صمت طويلة.
لكن في داخله… شيء ما تصدّع.
بعد بضع لحظات من الصمت المطبق، حيث بقيت كلمات رونا معلقة في الهواء، ومقلتا ألفريد لا تزالان معلقتين على الفراغ بينهما، انشقّ الليل فجأةً على صوت انفجارٍ مهول.
دوى الصوت كأن الأرض نفسها تنفجرت تحتهم، تردد صداه في الأنفاق والجدران السميكة، وارتجت الأنظمة الحرارية والطوارئ في المنشأة فجأة.
لم يكن صوتًا مألوفًا. لم يكن عطبًا، ولا تجربةً فاشلة.
كان انفجارًا حقيقياً.
الوميض الذي رافقه خُطف من جهة قسم الأبحاث العلمية.
تجمّد ألفريد في مكانه.
لم يصرخ، لم يتحرك، حتى أن عينيه لم ترمشا.
بقي واقفًا أمام رونا، وكأن الزمن توقف داخله.
كأن صدره نسي كيف يتنفس.
رونا هي من استدارت أولًا، بعينيها المتسعتين من الذهول:
– "...هذا... من جهة غرفتك، أليس كذلك؟"
لكن ألفريد لم يجب.
ظلت عيناه معلقتين على الفراغ، في مكان ما يتقاطع فيه الحلم، والحقيقة، والخوف البدائي.
هل كان صاروخًا؟ هل انفجرت خزانة التفاعلات؟
أم... هل كان شيئًا آخر؟ شيئًا لا يجب أن يحدث أبدًا؟
رونا أمسكت بذراعه:
– "ألفريد... آيلي هناك..."
عندها فقط رمش.
مرة واحدة.
ثم بدأ الجري.
ركض ألفريد كمن نُزع من ذاته.
لم يكن يرى الممرات، ولا يسمع نداءات الطوارئ، ولا يشعر بحرارة الأنظمة وهي تنهار حوله.
كان كل شيء مشوشًا، مقلوبًا، كما لو أن الزمن انقلب عليه فجأة وأخذ ينهش ما تبقّى من واقعه.
وصل إلى القسم... أو ما تبقّى منه.
الدخان يملأ المكان، جدران مقلوبة، أبواب مذابة من شدة الانفجار، وأجهزة الأمان تطلق صفاراتها بلا جدوى.
لكن نظره لم يذهب لأي من ذلك.
لقد ذهب مباشرةً إلى تلك الزاوية.
غرفته.
غرفة آيلي.
أو ما كانت يومًا كذلك.
كان الحائط الذي يفصلها قد سُحق تمامًا، وسقف الغرفة انهار بنصفه، أما الأرضية فغاصت بالأجزاء المعدنية والخرسانية، تعجّ برائحة الرماد والوقود المحترق... والدم.
لكنه لم يصرخ.
فقط بدأ يزيح الأنقاض.
يده العارية نزفت من الحجارة، صدره ارتجف مع كل لوح معدني رفعه، وكل مرة لم يجد تحتها شيئًا، كانت روحه تسقط أكثر.
حتى...
رآها.
آيلي.
كانت هناك، مُمددة أسفل قضيب معدني ضخم وسقفٍ محطم، جسدها شبه مدفون تحت الغبار والخرسانة، وجهها مغطى بطبقة من الرماد الناعم، كأن الزمن ذاته دفنها ببطء.
عينها مغمضتان... بلا حركة.
كان قلب ألفريد يصرخ، لكنه ظل صامتًا.
ركع إلى جانبها، خائفًا أن يلمسها، خائفًا أن تنهار لحظة أخرى عليه.
يده ارتعشت وهي تقترب من عنقها.
ثم...
نبضة.
كانت هناك.
خفيفة... ضئيلة... لكنها موجودة.
كأن الحياة نفسها رفضت الرحيل عنها.
كأنها تنتظره.
نظر إلى وجهها، وتنهّد بعمقٍ لا يُفسّر، كمن نجا من اختناقٍ دام لعشرة أعوام في لحظة واحدة.
لكنها لم تفتح عينيها.
لم تنبس بكلمة.
جسدها لا يزال تحت الركام، ونبضها بطيء للغاية... لكنها حيّة.
مرت لحظة طويلة، أطول من أن تُقاس بالزمن، قبل أن يتمتم ألفريد هامسًا قرب أذنها:
– "آيلي... أنا هنا... لن أسمح لكِ بالرحيل... لا أنتِ..."
كانت رونا قد لحقت بصوت الانفجار، تركت الصندوق خلفها دون تفكير، تركت كل شيء.
كان قلبها ينبض في رأسها، وكل خطوة تقطعها كانت كأنها تهبط في هاوية أعمق.
وصلت إلى الحطام، فزعت، ثم تجمدت.
ألفريد كان جاثيًا هناك، محاطًا بالدخان، ممسكًا بآيلي كمن يحتضن شبحًا، أو ذكرى تتلاشى.
اقتربت ببطء، وعيناها تتسعان مع كل تفصيل:
آيلي…
المخلوقة التي لم ترَها تضعف يومًا، لم ترَها تتألم، أو حتى تتردد.
الآن تحت الأنقاض. ساكنة.
ركعت رونا وساعدت ألفريد على رفع الجسد المثقل بالخرسانة والغبار.
ساعدته دون أن تتكلم، حتى ثبتت آيلي على ركبتيها، واستدار وجهها قليلاً، فكشفت الغبار عن عينها المغلقة، وعن ندبة حديثة على جبينها لم تكن هناك من قبل.
حينها انفجرت بصوتٍ خافت، متحشرج:
– "كيف...؟ كيف لم تعرف آيلي ما سيحدث؟"
ألفريد لم يرد.
– "ألفريد، هي كانت دائمًا أول من يشعر بأي خطر… كيف لم تغادر؟ كيف بقيت هنا؟ هل كانت نائمة؟ مستحيل. مستحيل أن تنام هكذا…"
هزّت رأسها بيأس، ثم نظرت إليه مباشرة:
– "هذه المرة الأولى التي أراها هكذا. هل تستوعب ما يعنيه هذا؟ وليام نفسه لم يكن قادراً على لمسها. لم تكن تخاف، لم تكن تهتز… كيف سقطت هكذا؟"
ألفريد كان صامتًا.
ذراعاه تلتفان حول جسد آيلي بلطفٍ حذر، كأنه يضمّ كائنًا زجاجيًا من زمنٍ آخر.
تنفّس بصعوبة، وقال:
– "لأنها... كانت تعرف."
نظرت إليه رونا بحدّة.
– "ماذا؟"
أخفض عينيه، قال بصوت متعب، مثقوب من الداخل:
– "كانت تعرف أن شيئًا سيحدث. كانت صامتة جدًا في الأيام الأخيرة، تنظر كثيرًا نحو النوافذ... لا تنام، لا تأكل، فقط تراقب، وتكتب أشياء لا أفهمها."
سكت لحظة، ثم أكمل:
– "أظنها اختارت البقاء. كأنها أرادت أن تترك نفسها هنا… عن عمد."
رونا ابتلعت صدمتها، ونظرت مجددًا إلى آيلي.
هذه ليست آيلي التي عرفتها.
هذه… جسدها فقط.
لكن العينان مغمضتان.
والقلب… لا يزال ينبض.
ببطء، التفتت إلى ألفريد، وقالت:
– "ألفريد… إذا كانت قد اختارت البقاء، فلابد أن لديها سبب. لكننا سنعيدها. تسمعني؟ سنعيدها، ولو كان ذلك آخر ما نفعله هنا."
ألفريد لم يرد، فقط ضمّ آيلي بقوة أكبر.
كأن كل ما تبقّى له… كان بين يديه.
