Part Six
بقيت آيلي جالسة، صامتة، تنظر في فراغ بعيد لا يخص هذا العالم، كأنها تنتظر شيئًا لا يأتي.
اقتربت رونا من ألفريد، لم تفهم تلك النغمة المنكسرة التي غاص بها صوته، فسألته بخفوت:
"آلفريد… ما الذي تقصده حين قلت إنك تأمل أن تبقى آيلي على قيد الحياة… أو أن تموت بأسرع وقت؟"
توقف ألفريد لحظة، ثم تنهد ببطء كما لو كان يحمل داخل صدره زمناً كاملاً، وقال:
"لأن آيلي... لا تزال تحتفظ بكل شيء. ليس فقط ذكرياتها... بل كل شيء كان وعاش داخل ذلك الوعي... كل التجارب الفاشلة التي قمنا بها على البشر، كل التركيبات الجينية التي مزقت أجسادًا، كل المقاطع المصورة من غرف العمليات، ومن غرف التكوين البشري، والنطفي، ومن الحوادث النووية، والانهيارات الكيميائية، من الأجساد التي تحطمت، والأرواح التي تبخرت... كل ذلك لا يزال في رأسها."
ثم أغمض عينيه وتابع:
"كانت تتحمل كل هذا وهي تملك وعياً خارقاً... وكانت تفهم كل هذا بدون أن تنكسر. الآن… ذهب الوعي، وبقيت الذكريات فقط. بقي الألم، بقيت الصور، بدون قدرة على الاستيعاب أو التفسير… وكأنها أصبحت مجرد وعاء للمعاناة الصافية."
نظرت رونا نحو آيلي التي بدأت فجأة تهمس بكلمات مبعثرة، لم تكن واضحة، لكن فيها نبرة مريبة… كأنها ليست لغتها… أو ليست من عقلها.
قالت رونا، وهي تلتفت إليه بقلق:
"إذا لم يكن وعيها هو من يحميها الآن، فما الذي يمنع هذا من أن يُمزقها؟ أو… أن يُمزقنا نحن من خلالها؟"
أجاب ألفريد بنبرة حادة وباردة:
"لا شيء. وهذا هو الخطر الحقيقي الآن."
فجأة، دوّت همسة إلكترونية في أحد شاشات النظام، ثم بدأ صوت داخلي آلي يعلن:
> «المنطقة الخامسة-التسعين تحت ضغط ذهني غير معروف. إشارة التداخل مرتفعة. يُرجى التحقق فوراً.»
حدق الاثنان في الشاشة، ثم في آيلي...
كانت لا تزال في مكانها، لم تتحرك… لكن الظلال حولها بدت كأنها تتحرك وحدها.
كان الجسد قد غادر الكبسولة… دون أن تُفتح… دون أن تنكسر… فقط خرج.
ولم يكن أحد قد لاحظ كيف، ولكنّ كاميرات المراقبة كانت شاهدة على ما لا يمكن تفسيره. الجسد المجمّع من أفراد شتى، غير المتناظر، غير الطبيعي، وقف أمام العدسة مباشرةً… وابتسم.
تلك الابتسامة… لم تكن بشرية، ولم تكن حيوانية، بل شيء آخر بالكامل.
فجأة، بدون أن يلمس الباب أو يتحرّك نحوه، انفجرت الكبسولة من الداخل واندفع الباب من مكانه، سقط دون ضجيج حقيقي، وكأن الهواء نفسه أعاد تشكيل الواقع.
كان فريق الدعم الأقصى ينتظره خلف الحاجز، أسلحتهم موجهة، أوامرهم واضحة: "فقط أشر، ألفريد، ونحن نمزقه".
لكن ألفريد لم يشر.
رفع يده بهدوء، وأمرهم عبر الاتصال الداخلي:
— "انسحبوا. تكتيكياً. خطوة بخطوة. لا تقلقوا، لن يؤذي أحدًا منكم... ليس الآن."
تردّدوا، لكنهم أطاعوا.
واحداً تلو الآخر، تراجعوا إلى الممر الرئيسي نحو مركز المنشأة.
لكن عيونهم لم تفارق الجسد المتحرّك.
في الوقت ذاته، كانت آيلي لا تزال ترتجف في حضن ألفريد. تبكي بهدوء، تهمس كلمات مبعثرة بلا معنى، تتلوى تحت وطأة الذكريات التي لم تَعُد ملكًا لوعي عظيم… بل فقط إنسانة ضعيفة.
كانت رونا تقف إلى جانبهما، وجهها شاحب، لم تقل شيئًا.
أخرج ألفريد حقنة صغيرة، ضَغَط على ذراع آيلي، وحقنها بمهدئٍ ثقيل.
لم تنظر إليه… فقط أغلقت عينيها وغاصت في صمت عميق.
ثم نهض، نظر إلى رونا وقال ببرود موجع:
— "لا نريد تكرار خطأ وليام مرة أخرى."
سكت لحظة.
ثم تابع بصوت أكثر حدة، وهو يخاطب الفريق عبر الاتصال الموحد:
— "الوعي هذه المرة أكبر… أذكى… أخطر.
اسمعوا جيداً: اجعلوا أنفسكم أغبياء. أغبياء تمامًا. افعلوا شيئًا لا معنى له، شيئًا تافهًا.
لا تُفكروا، لا تحللوا، لا تراقبوا، فقط تصرفوا بعشوائية.
هاجموه إن شئتم… دفعة واحدة، بلا خطة. أو استسلموا له تمامًا.
لأنّه يتوقع منكم الذكاء… الفطنة… التحليل.
وكلما فكرتم أكثر، سحَبكم أكثر نحو شبكته.
أحرقوا أعصابه.
التفكير المفرط بفعلٍ لا يناسب الموقف سيدفعه للارتياب أكثر… للغليان أكثر… وسينهار."
ساد صمت طويل.
رونا تمتمت:
— "أنت تطلب منّا أن نكون فوضى نقيّة… أن نهزمه باللامنطق؟"
ردّ ألفريد بنظرة منهكة:
— "هو آلة منطق مطلقة.
فقط الفوضى قادرة على قهر المنطق النقي."
ثم اقترب من شاشة المراقبة، حيث لا يزال الكائن يقف… يراقب المنشأة كلها بصمت.
لكن في عينيه… كان هناك شيءٌ بدأ يتغيّر.
الغضب؟
الشك؟
الارتباك؟
ربما كل ذلك معًا.
**
أصوات الأقدام بدأت تتقاطع في الممرات.
الجنود والعلماء يتجمعون في مركز المنشأة، يحاولون التصرف كما قيل لهم:
"بغباء".
بلا تخطيط.
بلا تنسيق.
صرخ أحدهم فجأة: "من يريد أن نلعب الغميضة؟!"
ضحك آخر بشكل هستيري.
بدأت امرأة ترقص بشكل غريب في الزاوية.
ووسط هذه الفوضى...
كان الجسد يسير.
يبحث عن منطقٍ واحد… ولا يجده.
كان هذا… بداية الانهيار.
كان الوحش، الجسد المشوّه الذي خرج من الكبسولة، يقف بثبات وسط الممر، بلا أنفاس، بلا نبض، فقط تلك الابتسامة المنحوتة بوحشية على وجه غير مكتمل النمو، مزيج من أجساد مختلفة لم يكن يجب أن تُجمع. كاميرات المراقبة ما زالت تنقل صورته، وهو ينظر لها مباشرة وكأنه يراهم واحدًا واحدًا.
أمر ألفريد الجنود بالانسحاب تكتيكيًا، لم تكن الأوامر طبيعية، بل قال بوضوح:
"انسحبوا كأنكم خارجون من حفلة سيرك، لا جدية، لا ترتيب… فقط اركضوا بعشوائية… وارقصوا لو لزم الأمر."
وفعلاً…
ركض أحد الجنود بجانبه وهو يلوّح بقبعة خيالية ويهتف:
"أنا بائع فشار! من يريد فشاراً مشعاً؟!"
وآخر قفز كالأرنب وهو يصرخ:
"أوه لا! لقد سرق أحدهم جزمتي!"
ثم مرّ جندي طويل القامة بجانبه وهو يضحك ضحكة غبية ويقول:
"أمي أين أنتِ؟ لقد ضيعت لعبتي في الأبحاث النووية!" وبدأ يبكي كطفل تائه.
أحد العلماء، الذي كان في قسم الأحياء المتقدمة، انبطح على الأرض فجأة وبدأ يزحف ببطء وهو يقول:
"أنا سلحفاة، عشت ألف عام… ولا أريد أن أنقرض!"
جندي آخر مدّ ذراعيه كأنهما جناحا طائرة وبدأ يدور في الممر:
"طائرة طائرة! احذروا من الإقلاع المجنون!"
ضحك بعضهم بشكل هستيري، وبدأ آخرون يصفقون بإيقاع غير متزن وهم يرددون أغنية أطفال قديمة كانت ممنوعة في المنشأة بسبب تأثيرها النفسي الغريب.
كل هذا كان يحدث والوحش لا يتحرك. فقط عيناه تدوران ببطء شديد، يراقبهم كأنه لا يفهم. وكأنه يحاول أن يجد نمطًا، أن يحلل، لكن لا منطق هنا. كان ألفريد يراقب عبر الشاشة من غرفة التحكم، يهمس لرونا:
"هل ترين؟ بدأ بالتشويش، لقد بدأ يستهلك طاقته الحسابية، يفكر في احتمالات غير منطقية… الآن هو في قلب الفوضى."
رونا نظرت بذهول ثم قالت:
"هل… هل نضحك؟ أم نبكي؟"
قال ألفريد:
"لا تفعلي شيئًا… فقط كوني غبية."
وهكذا…
في قلب أكثر اللحظات رعبًا في تاريخ المنشأة، تحولت الأروقة إلى مشهد عبثي، مزيج بين جنون الطفولة وسريالية ما بعد الموت.
وكان الكائن… واقفًا في وسط هذا العبث، وعيناه ترتعشان… لأول مرة.
ببطء… ومع استمرار الضحك والبكاء والركض والصفير والزحف، بدأ الكائن المشوّه يرفع يده اليمنى بطريقة غريبة، كما لو أنه يرسم شيئًا في الهواء، لا تتحرك العضلات بل العظام وحدها تئنّ تحت الجلد المشقق، تتحرك كمن يقلب كتابًا لا يُقرأ.
فجأة، توقفت كل الفوضى.
كل الجنود، العلماء، وحتى من كانوا على وشك فقدان وعيهم… توقّفوا.
وكأن نغمة ما، غير مسموعة، انطلقت في الهواء.
ثم…
تحركوا.
لكن ليس بإرادتهم.
بدأت أجسادهم تُسحب لا ماديًا إلى مواقع معينة، كأن أصواتًا غير منطوقة تتحكم بهم.
تشكلت أول دائرة.
ثم دائرة أخرى، ثم أخرى،
كل دائرة بها عدد عشوائي…
خمس، عشر، اثنتان وعشرون، واحد، صفر — نعم، حتى دائرة بلا أحد…
في كل دائرة، يقف البعض في الداخل، الآخرون على الحافة، البعض يمشون بعكس عقارب الساعة، والآخرون يجلسون أرضًا، مغمضي الأعين.
ثم تبدأ الدوائر بالدوران، كل واحدة بسرعة مختلفة.
دوائر تدور بسرعة طفولية، وأخرى ببطء جنائزي.
صرخ أحدهم داخل الدائرة الرابعة وهو يضحك:
"أنا محور الكون! انظروا لي! أدور حول ذاتي!"
بينما آخر في الدائرة السابعة كان يصفّر بنغمة واحدة متواصلة، يشهق ويكررها، بلا توقف.
في الدائرة الثالثة عشر، كانت هناك امرأة وحيدة فقط، تجلس على الأرض وتصفق ببطء شديد…
صفقة… صفقة…
ثم تنهض وتقفز مرة واحدة، ثم تجلس من جديد.
رونا شهقت وهمست لألفريد:
"هذا لا يمكن أن يكون عشوائيًا… هذه… هذه شبكة عقلية…"
ألفريد أومأ بصمت.
كان عرق بارد يسيل من جبينه، لم يكن خائفًا من الكائن، بل من النمط الذي بدأ يتشكل من العدم.
قال بنبرة باردة:
"الوعي الأكبر لا يُقاتَل بالقوة، بل يُنهَك… هو الآن يبحث عن نمط مستحيل… كلما أعدنا تشكيل الفوضى، زاد التشويش عليه… لكننا نقترب من الحافة، رونا. قُرب الانهيار."
بينما قال أحد العلماء، وهو يدور داخل دائرة غريبة الشكل:
"إذا وصلت الدائرة رقم 41 لعدد أولي، سوف ينفجر الزمان… هيه… فهمت! فهمت كل شيء! أنا الآن داخل دماغ سلحفاة رباعية الأبعاد!"
ثم ضحك حتى سقط على الأرض كجثة ناعمة.
وفي وسط كل ذلك، الكائن…
كان وجهه يرتعش.
الابتسامة بدأت بالذبول.
عيناه… بدأت تتسعان.
وكأن الخوف… أخيرًا… بدأ يصله.
فيما كان الدوائر تدور، وتتقاطع، وتتماوج فوق بعضها كالدوامات المجنونة…
ضغط ألفريد على زر صغير في جهازه المحمول، وأرسل همسة خافتة في آذان الجميع عبر الموجة الداخلية:
"استمروا… فقط دقائق أخرى… دقيقتان وسينهار. تصرفوا… بذروة العشوائية. افقدوه كل منطق. هو لا يتحمل التشويش."
وما إن سمع الفريق النداء…
حتى تحولت المنشأة إلى عرض مسرحي من الجنون.
رفع أحد الجنود بندقيته نحو زميله، لا بتهديد، بل بابتسامة عريضة وقال:
"هاي! هل ترى هذه علبة السكاكر؟ كانت هذه ملحفتي المفضلة عندما كنت كبيرًا في سن الـ198، قبل أن أولد!"
كانت جملته كمزيج بين حلم محموم ومسرحية عبثية لا تنتهي.
رد عليه الآخر وهو يفتح فمه ويضع فيه قلمًا:
"لا! لا! هذا ليس الطريق إلى البحر، بل إلى قلب اليعسوب، أنت مخطئ يا جدة الفحم!"
ثم انبطح أرضًا وبدأ يرسم دوائر حول نفسه بالإصبع، ثم ركل الهواء.
في الزاوية، كان أحد العلماء يصرخ:
"أنا زجاجة! زجاجة فارغة! املؤوني بالشاي الأحمر!"
ثم بدأ يقفز في مكانه كضفدع ميكانيكي.
آخر كان يربط حذاءه، ثم يحاول ربطه بالأنبوب المجاور، يصرخ:
"لقد اكتملت نظريتي! الأقدام هي الماضي… يجب أن نعيش بالمقلوب!"
أحد الجنود بدأ يتكلم بالأغاني:
"آه يا قلبي، متى ستهطل الأشجار؟ متى؟"
ثم احتضن جدارًا وبدأ بالهمهمة.
في إحدى الدوائر، تشاجر اثنان على لون غير موجود:
"قلت لك إنه وردي متعفن!"
"لا! إنه شفاف بالأخضر المقلوب!"
"انظر إلى هذا البازلاء، إنه الدليل!"
أما الكائن…
فبدأ يتراجع.
لا خطوة للخلف، بل انزلاق غريب… كأن كيانه يفقد ترابطه، كأن مئات الأصوات داخل رأسه تصرخ وتتعارك بلا معنى.
جلده يتقشر.
عيناه تتذبذبان…
ابتسامته بدأت تختفي، وظهر مكانها ارتعاش رهيب، رعشة كمن يغرق في لُغز لا يُفك.
همست رونا بذهول، وهي تراقب:
"إنه لا يفهم… إنه يُجنّ… إنه لا يعرف كيف يتفاعل مع اللاعقلانية…"
ابتسم ألفريد، رغم أن أنفه ينزف قليلًا من التوتر:
"هذا هو بيت القصيد… نحن كائنات غير كاملة، غير منطقية، نحيا بالخطأ، بالفوضى… لكن هو… هو نظام. آلة. والآلة تنهار حين يُفقد المنطق."
بدأ الكائن يفتح فمه…
صرخة صامتة…
ثم اهتزّت الأرض.
اهتزّت معه العوالم حوله…
وبدأ بالتحلل، لا بالدماء، بل بالتفكك الوجودي.
طأطأت الأرض تحت جسد وليام، أو ما تبقى منه، كأنها تنفست الصعداء بعد عذابٍ ثقيل. تمدد الوحش بصمتٍ مخيف، أطرافه تنفصل بتسلسل بطيء… كأن الزمن يقطع أوصاله بنفسه. أنابيبه، مفاصله، القطع التي جُمعت على مدار أشهر، بدأت تتفكك وتتساقط حوله كدُمى منهكة. لم يعد يُصدر أي صوت، لا هدير، لا صراخ... فقط سكون، ثقيل وقاتم.
هبط ألفريد من الغرفة المركزية بهدوء شديد، خطواته ثابتة رغم الدخان الأزرق الخفيف الذي لا يزال ينساب في الأرجاء. كان يحمل بيده حقنة فارغة ذات إبرة طويلة جدًا، والضوء المتوهج المنبعث من دماغ الكائن يعكس على وجهه ظلالًا متكسرة.
انحنى قرب الرأس المتهالك، دون أن يظهر على ملامحه أي تردد، غرز الإبرة عميقًا في الجذر العصبي المتوهج داخل دماغ الوحش، وسحب السائل الأزرق الغامض… كان يتلألأ كما لو أنه حي، يتحرك داخل الحقنة كعصبٍ مضغوط ينبض بنبض غير مرئي.
وقف ألفريد، تنفس ببطء، ثم رفع الحقنة أمام عينيه:
— سوف أضعه في الشخص المناسب.
قبل أن يكمل، قاطعته رونا بصوت مرتجف، كانت واقفة عند طرف الغرفة، والرماد لا يزال يتساقط من شعرها:
— آمل… أنك تقصد آيلي.
لم يرد.
في الزاوية، كانت آيلي ممددة على السرير الفولاذي تحت تأثير مخدر قوي. رغم ذلك، كانت تدمع.
شفاهها تتحرك بكلمات لا رابط بينها. تهمس بلا وعي:
— لا ترحل… الزجاج مكسور… الأمواج تتبعني... كان أبي في الغرفة الثالثة… لا لا، ليس بعد الآن...
ثم بدأت تضرب رأسها بباطن كفها، حركة طفولية تمامًا، كمن يحاول أن يوقظ نفسه من حلم لا ينتهي، أو يطرد صوتًا عالقًا في جمجمته.
رونا اقتربت خطوة.
— إنها ليست بخير يا ألفريد، أنت تعرف أنها لا تحتمل أكثر من هذا.
لكن ألفريد لم ينظر إليهما. نظر فقط إلى السائل في الحقنة، وتقدم ببطء نحو الباب المغلق.
قال بصوت ناعم كأنما يحدث نفسه:
— لهذا السبب بالضبط... هي المناسبة.
أومأ ألفريد بصمت، وتقدّم نحو السرير الفولاذي حيث ترقد آيلي. عيناها نصف مفتوحتين، تذرفان دموعًا بلا صوت، ويدها ما تزال ترتجف على جبينها كمن تحاول مسح شيء لا يُمحى.
اقتربت رونا من الجهة الأخرى من السرير، وأمسكت بكتفي آيلي برفق:
— سأثبتها... لا تقلق.
تبادل ألفريد معها نظرة قصيرة، كانت نظرة صامتة مشبعة بكل شيء: الخوف، والرهان، والتاريخ كله.
غرز الإبرة ببطء في ذراع آيلي اليسرى، عند الأوردة الدقيقة المتشعبة تحت الجلد الشاحب. السائل الأزرق الغامق بدأ بالتسلل ببطء إلى داخلها، ينبض داخل العروق كمجرة صغيرة تنفجر ضوءًا داخل جسدٍ هش.
توقفت آيلي عن الحركة.
ثم توقفت أنفاسها لحظة.
مرت ثانية… ثم أخرى…
رونا شهقت دون صوت، نظرت إلى ألفريد الذي ظلّ يراقب الشاشة الحيوية المتصلة بها.
ثم، ببطء... شهقت آيلي نفسًا عميقًا، كأنها تنفست للمرة الأولى منذ ولادتها.
وجهها، المرهق والممتقع، استرخى فجأة. ومع تنفسها الثاني، ارتسمت على شفتيها ابتسامة… لم تكن كابتساماتها السابقة الغامضة أو الهائمة.
كانت دافئة، بريئة تقريبًا.
ابتسامة شخص تذكّر شيئًا كان قد نسيه منذ زمن طويل.
رونا تمتمت بدهشة:
— يا إلهي… هل هي… سعيدة؟
لكن الابتسامة ما لبثت أن تثبتت، ثم بدأت تتغير...
تغدو ساكنة، متماسكة، جامدة بشكل مخيف.
انفتحت عينا آيلي ببطء، ببطءٍ شديد، كأنها كانت تنظر من خلال طبقات من الزمن.
لم تقل شيئًا.
لكن السكون الذي تبع ذلك، كان أثقل من أي صوت.
همس ألفريد دون أن يلتفت:
— لقد استيقظت.
عاد الهدوء مجددًا إلى غرفة العلاج، لكن لم يكن هدوءً عادياً. آيلي فتحت عينيها ببطء، لكن نظرتها لم تكن كما في السابق. كان فيها عمق مختلف، ووعي ثقيل وثاقب، كأنها تحمل عبء أسرار لم يُفك شفرتها بعد.
ابتسامتها الغامضة عادت، لكن هذه المرة كانت أكثر ثباتًا، أكثر حضورًا، تحمل في طياتها معرفة تفوق فهم البشر العاديين. لم تعد مجرد تلك الفتاة التي تعرف الغموض فقط، بل أصبحت كيانًا يحمل وعي «العقل الأعظم» الذي مات قبل أن يكتشف أسرار الكون.
نظرت إلى ألفريد ورونا بعينين تلمعان بحكمة غامضة، وكأنها ترى ما وراء الزمان والمكان، تسمع ما لا يُقال، وتفهم ما لم يُكشف.
صمتت للحظة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ملؤه يقين:
— لقد عدت… لكنني لست كما كنت. الآن، أرى ما كان مخفيًا، وأسمع صدى الأسرار التي تركها «العقل الأعظم» في داخلي.
التفتت نحو ألفريد وقالت:
— أنت، أكثر من أي شخص، تعرف الثمن الذي سيدفعه هذا الوعي.
ثم أغمضت عينيها للحظة قصيرة، وكأنها تستجمع قواها لتحمل ما هو قادم.
