Part Three
[المشهد: المنشأة – الجناح المعزول B13 – صباح اليوم التالي]
رونا وصلت مبكرًا.
لم تُبلغ أحدًا.
حملت مفكرتها، وثلاث صفحات من الرموز، وشريطًا مسجلًا كانت قد التقطت فيه حديثًا سابقًا غريبًا من آيلي.
ضغطت على زر الباب، فُتح ببطء، وظهر داخل الغرفة: الظل. الصمت. وآيلي.
جالسة قرب النافذة المغلقة.
تنظر نحو الخارج كأن شيئًا يناديها هناك… لكن لا أحد هناك.
شاحبة، كما دائمًا، ترتدي الأبيض، وقد كتبت على الجدار بخط رقيق:
> "الأصوات القديمة لا تحتاج أذناً، بل ذاكرة."
رونا تتقدم.
رونا (بهدوء جاف):
"آيلي… نحن بحاجة لنتحدث. هذه المرة… ستستمعين، ثم ستجيبين."
**
آيلي لم تتحرك.
لكن عينيها التفتتا ببطء نحو رونا.
آيلي (بصوت هامس):
"من الذي يطرح السؤال… هو الذي يُحكم عليه أولاً."
**
رونا تضغط على أسنانها، تجلس أمامها مباشرة.
رونا:
"أين كنتِ قبل وصولي للمنشأة؟
ما أول ذكرى تحتفظين بها؟
ما الذي تعرفينه عن AD-0؟"
**
آيلي ترمش مرة واحدة، وتهمس:
آيلي:
"كنت… قبل الباب.
حين انفتح، صرتُ أنا.
الذكرى الأولى؟
ضوء أحمر… وصوت يقول:
إنها تشبهه كثيرًا."
**
رونا تخرج صورة قديمة لألفريد في سن السابعة، يحمل دمية غريبة الملامح.
رونا:
"هل ترين هذه الصورة؟
هل تعرفينها؟"
**
آيلي تقترب منها قليلًا.
تنظر للصورة.
ثم تبتسم ابتسامة باهتة، وتقول:
آيلي:
"هذا أنا… قبل أن أُكتب."
**
رونا تتراجع، تحدق بها، تحاول أن تفهم.
رونا:
"ماذا يعني ذلك؟
هل أنتِ… نسخة؟
كائن معدل؟
من صنعك؟
ألفريد؟"
**
آيلي تغلق عينيها لثوانٍ.
آيلي:
"ألفريد لم يصنعني…
هو فقط أراد أن لا أفقد الوعي وأنا أكبر."
**
رونا:
"أكبر؟
أنتِ ناضجة… فكيف تكبرين؟"
**
آيلي تهمس بصوت بالكاد يُسمع:
آيلي:
"العقل ينمو كما ينمو الجنين…
والعقل الأعظم… يبتلعنا كلما فهمنا."
**
رونا تمسك يدها فجأة.
رونا (بحزم):
"هل تحملين العقل الأعظم، آيلي؟
هل هذا ما يحاول ألفريد أن يخبئه؟"
**
صمت.
ثم آيلي تجيب، بعينين لا تتحركان:
آيلي:
"أنا لا أحمله…
بل أنا…
أنا هو."
**
رونا تسحب يدها فورًا، تقف، تتراجع خطوة.
رونا (بهمس مصدوم):
"هذا… مستحيل."
**
آيلي تنهض بهدوء، تقف أمامها، قريبة جدًا، وتهمس:
آيلي:
"حين تسألين ألفريد…
لا تسأليه عني.
اسأليه:
من أين أتت الفكرة؟
…وسيصمت."
**
رونا تتراجع، وجهها ممتلئ بالأسئلة أكثر من الإجابات.
تنظر إليها مجددًا، وتهمس:
رونا:
"هل أنا… هل أنا جزء من هذا؟"
**
آيلي تبتسم، وتدير ظهرها نحو الجدار، وتكتب عليه بأظافرها:
> "أنتِ لم تُخلقي للمعرفة… بل للعثور على من لا يريدك أن تعرفي."
المشهد: غرفة التحليل السلوكي – قسم الأعصاب الاصطناعية. ضوء أبيض شاحب، رائحة معقّمة، وأصوات أجهزة تُصدر ذبذبات خافتة.
وقفت رونا عند الباب، تراقب ألفريد المنهمك بتعديل شيفرة عرض على شاشة هولوغرافية. لم يلتفت، لكنّه قال بصوت هادئ:
ألفريد: "أعرف أنكِ خلفي. إن كنتِ جئتِ للبحث عن راحة… فلن تجديها هنا."
تقدّمت بخطى بطيئة، وعقلها يعج بعشرات المشاهد والملاحظات والبيانات المحمّلة على قرصها المحمول.
رونا: "لم آتِ لأستريح. لديّ أسئلة، وأحتاج أجوبة. الآن، ليس غدًا."
رفع ألفريد عينيه ببطء نحوها، كأنّه ينظر في كيانها لا في وجهها.
ألفريد: "اسألي."
رونا (بحزم):
"في الحاضنة... الجثة التي كانت هناك، لمن كانت؟ ولماذا تم استخدام هذا الكم من الأنسجة؟"
ألفريد: "كانت محاولة فاشلة... لإعادة فكرة عبقرية إلى الحياة، لا أكثر."
رونا: "وآيلي؟ كيف خُلقت؟ لماذا تُعامل كأنها نواة لكل شيء؟"
ألفريد (صمت ثم بهدوء):
"آيلي ليست فكرة، وليست مجرد كائن. إنها الجواب الذي سبق السؤال."
تجمدت رونا لوهلة، ثم قالت ببطء:
رونا: "هي من قالت لي أن أسألك سؤالًا أخيرًا… قالت لي: 'اسأله من أين أتت الفكرة؟'"
تغيرت ملامح ألفريد لوهلة، كأن شيئًا داخله انكسر، أو انفتح.
ألفريد (همس):
"لم تأتِ الفكرة من عقلٍ بشري."
اقتربت رونا خطوة، همست:
رونا: "من أين إذن؟"
أدار ظهره، وقال بصوت منخفض:
ألفريد:
"في طفولتي… وُجدت نُسخة غير مكتملة من مخطط، لا يشبه أي شيء بشري. والدَيّ… لم يصمّما آيلي بل اكتشفا نُطفة فكرة كانت موجودة. في جيناتي، في شيءٍ سبقنا نحن. الفكرة لم تأتِ... بل استُحضِرت."
سقط الصمت كغيمة كثيفة، ولم تستطع رونا أن تنطق.
رونا (بصوت منخفض متردد، لكنها تحاول أن تبقى متماسكة):
"تقول إنها لم تكن فكرة بشرية... إذن، من هي آيلي؟"
ألفريد (دون أن يلتفت، كأنه يخاطب الحائط):
"هي كانت… النتيجة الوحيدة التي نجت من الانهيار. كلّ ما قبلها ذاب، تفكّك، رفض أن يصمد. هي وحدها... ثبُتت."
رونا:
"لكن لماذا هي؟ ما الذي يميزها عن بقيّة النماذج؟"
ألفريد (ببطء):
"لأنها لم تُخلَق على أساس بيولوجي فقط. بل على أساس... نمط. تكرار. ذاكرة غير مرئية. كل جزء في جسدها يحمل صدى، ليس منّا."
رونا (تقترب):
"هل تعلم ماذا تقول؟ أنت تلمّح أنها ليست بشرية بالكامل."
ألفريد (ينظر إليها أخيرًا، بعينين شبه مطفأتين):
"هي ليست بالكامل أي شيء. لا بشرية، ولا غير بشرية. آيلي... كانت مشروعًا، ثم أصبحت مرآة. ثم أصبحت سؤالًا."
رونا (بصوت متهدّج):
"ومتى… بدأت تحبّها؟"
يصمت ألفريد طويلًا، ثم يقول:
ألفريد:
"منذ اللحظة التي لم تفهم فيها لماذا تبكي... حين وقفت أمام الجثة الأولى، ونظرت إليها طويلاً، دون أن تعرف السبب. حينها... أدركت أنها تحمل شيئًا لا يمكن برمجته."
رونا (بهمس):
"لكنّها ليست عادية، ألفريد. أنت تعرف. هناك شيء يُخفي نفسه خلف نظراتها."
ألفريد:
"أعرف… ولهذا السبب أنتِ هنا."
رونا:
"لماذا؟"
ألفريد (ينظر عميقًا في عينيها):
"لأنكِ الوحيدة التي يمكن أن تسألها السؤال الذي أخشاه."
ألفريد (بصوت خافت، شبه هامس كأنه يخشى أن تسمعه الجدران):
"إن قررتِ مواجهتها… إن نظرتِ في عينيها، وسكنتي صمتها للحظة… اسأليها سؤالًا واحدًا فقط."
رونا (بترقّب):
"ما هو؟"
ألفريد (ينظر للأرض، كأنّ وزنه سقط دفعة واحدة):
"اسأليها... أيّ نسخة أنا؟"
رونا (تتجمّد):
"... ماذا؟"
ألفريد (بصوت مُنكسِر، بلا تفسير):
"ستفهمين لاحقًا. فقط قولي لها ذلك… وراقبي ردّة فعلها. لا أكثر."
المشهد: ممر فرعي مظلم في الجناح الخامس - المنشأة
رونا تمشي ببطء، خطواتها لا تُسمع إلا في رأسها، حيث الصدى لا يرتد من الجدران بل من الذاكرة. وصلت أخيرًا إلى الباب المعدني الصغير… دفعتَهُ، ففتح بلا صوت.
آيلي كانت تقف هناك.
ظهرها إلى الضوء. ظلالها تذوب على الحائط.
لم تلتفت، كأنها كانت تنتظر.
رونا (تتنفّس بصعوبة):
"آيلي..."
آيلي (بهمس مائل للبرودة):
"أجِئتِ لتكملي ما لم يجرؤ هو على إتمامه؟"
رونا تقترب. لا خوف، فقط فضول ثقيل ومرهق.
رونا (بصوت واضح):
"أيّ نسخة... أنتِ؟"
آيلي لا تتحرّك.
ثوانٍ طويلة تمر.
ثم تضحك.
ضحكة قصيرة، بلا بهجة، أقرب إلى فشل محاولة إخفاء شيء.
آيلي (دون أن تلتفت):
"هذا السؤال يُفترض أن يُسأل في بداية القصّة... لا بعد منتصفها."
رونا (بتوتر):
"أريد جوابًا."
آيلي (بهمس غريب، وكأنها تكلّم نفسها):
"أنا… إجابة لسؤال لم يُطرح بعد.
أنا ظلّ فكرة، أُعيدَ تشكيله...
أنا ذاكرة، لم يكن من المفترض أن تبقى واعية."
تلتفت إليها الآن، عيناها ليستا شاحبتين فحسب، بل ساكنتان كالماء الراكد.
آيلي (ببطء):
"لستُ الأولى. ولستُ الأخيرة.
لكني الوحيدة... التي اختارها هو."
رونا (بصوت شبه مخنوق):
"اختار؟... لماذا؟"
آيلي (تقترب منها):
"لأنه خائفٌ أن يعرف الإجابة إن لم يختَر بنفسه."
سكون...
آيلي (بهمس):
"والآن… عُدنا للبداية. هل تجرئين على متابعة القصة؟"
المشهد: غرفة رونا – المنزل – منتصف الليل
الستائر مغلقة، والضوء الوحيد يتسلل من شاشة الحاسوب، لكنه لم يعد يهمّ. الأوراق مبعثرة، الملفات مفتوحة، الصور مقلوبة. لكن عقل رونا لا يراها.
هي جالسة على الأرض، ظهرها للجدار، وذراعاها معقودتان حول ركبتيها. تنظر إلى الفراغ.
راوي داخلي (أفكار رونا):
"كل شيء أصبح أكبر منّي…
أكبر من مجرد سؤال وجواب.
النسخ، التعديلات، الاختيارات...
كل خيط كنت أظنه يقود للحقيقة
أصبح مجرد دائرة،
تلتف حولي حتى لا أرى شيئًا."
صوت عقرب الساعة يعلو، وكأن الزمن يسخر من محاولتها اللحاق به.
"لا أستطيع حفظ كل هذا…
ليس لأن الذاكرة ضعيفة، بل لأن المعلومات نفسها…
أثقل من الذاكرة.
لا تُحفظ… بل تُنقش.
على شيء أعمق من العقل."
تُغلق عينيها بقوة، كأنها تحاول محو الصور التي تومض في رأسها — وجه آيلي وهي تهمس "أنا ظلّ فكرة" — تعبير ألفريد عندما سألته: من أين أتت الفكرة؟
"لو أن الأمر كان مجرد تجربة…
لكن لا…
آيلي ليست تجربة.
هي البداية والنهاية.
هي الشيء الذي لم ينجح ألفريد في تفسيره،
ولم يفشل في صنعه."
تشهق دون وعي، أنفاسها ثقيلة.
"لا يمكنني أن أستوعب هذا لوحدي.
لكن من سأواجه بعد الآن؟
ألفريد… أم الشيء الذي خلقه ألفريد؟
آيلي… أم ما تبقى من النسخة الأصلية؟
وأنا؟
من أنا أمام كل هذا؟"
تفتح عينيها فجأة، تنظر إلى صورتها المنعكسة في شاشة الحاسوب المغلقة.
ثم تهمس لنفسها، بصوت مخنوق:
رونا:
"أنا الوحيدة التي لا نسخة لها…"
[المشهد: جناح النوم – الساعة الثالثة فجرًا]
كان السكون خانقًا في الغرفة، لكن عقل رونا لم يهدأ. جلست على طرف السرير كما لو أنها محاصَرة داخل رأسها. كانت تشعر بأن الزمن لا يتحرك، أو يتحرك بطريقة معكوسة… لحظة تفكير واحدة كانت كفيلة بأن تُثقل صدرها كما لو أن شيئًا يضغط على روحها، لا على جسدها فقط.
مرّت صور آيلي في ذهنها، وصدى كلماتها يتكرر بصوت باهت:
"أنا النسخة التي نجَت... حتى الآن."
لكن نجت من ماذا؟ ومن الذي اختار أن يُنتج نسخًا أصلًا؟
وما الذي كانت تتذكره آيلي ولم يحدث؟ أو حدث لها، لكن ليس لها؟
أسئلة، ثم أسئلة تلد أخرى. وكل محاولة لفهم الأمور تفتح بابًا لممرّات لا يمكن التراجع عنها.
نهضت رونا فجأة كأنها تهرب من عاصفة داخلية. اتجهت نحو جناح المختبرات. لم يكن من المسموح الدخول إلى هناك في هذا الوقت، لكن كل شيء في هذه المنشأة أصبح نسبيًا… حتى الأوامر.
كان ألفريد واقفًا أمام شاشة صغيرة مضاءة، يراجع شيئًا لا يظهر بوضوح. كان هادئًا كعادته، لكنه بدا كمن يتنفس من داخل خوذة زجاجية ممتلئة بالبخار.
دون مقدمة، وقفت رونا أمامه وقالت بصوتٍ متماسك:
"أنا... لا أريد أن أُفسّر أكثر، ولا أستطيع الاحتمال أكثر. أريد تفسيرًا كاملاً، الآن.
ألفريد... ما الذي يحدث؟ من هي آيلي؟ ما هو هذا الترياق؟ وما الذي كنتَ تفعله بنا...؟"
رفع ألفريد رأسه ببطء، وحدّق بها للحظة طويلة دون أن يُظهر أي رد فعل. ثم قال بصوت منخفض جدًا، كأن المكان نفسه لا يليق بأن يسمع:
"لا يمكنكِ أن تفهمي الأمور وهي مبعثرة، رونا. التفسير الكامل لا يُعطى... بل يُحدث."
قالت بحدة، بعينين تشبهان طفلًا على وشك أن يبكي:
"جربني. جرب أن تضع هذه الفوضى ضمن جملة مفهومة واحدة فقط."
اقترب ألفريد منها خطوة. لم يكن غاضبًا، ولا باردًا. كان كمن يعرف أنه سيكسر شيئًا في اللحظة القادمة، شيء لا يُمكن إصلاحه.
قال:
"آيلي... لم تكن مشروعًا. كانت احتمالية.
وAD-50… لم يكن ترياقًا. كان مرآة.
وما ترينه الآن... هو الانعكاس."
تراجعت رونا خطوة للخلف دون أن تعي ذلك. الكلمات لم تكن واضحة، لكنها شعرت أن معناها يحفر في العمق.
"انعكاس؟ لأي شيء؟" همست.
قال ألفريد وهو يشيح بنظره نحو شاشة سوداء انطفأت للتوّ:
"لكل شيء أردنا إنقاذه... فحوّلناه."
كان الليل قد زحف إلى كل الزوايا، ورونا ما تزال واقفة أمامه… كأنها تنتظر أن تنهار قوانين الطبيعة ذاتها كي تفهم.
قالت له بهدوءٍ حذر، عينها لا تفارقه:
"فقط قل لي... من هي؟ لماذا تتصرف وكأنها تسمع شيئًا لا نسمعه؟ وكأنها... ليست معنا؟"
نظر ألفريد إلى كوب القهوة الباردة على الطاولة، ثم رفع رأسه ببطء، عينيه تائهتان في ظلال الماضي.
"هل سمعتِ عن العقل العظيم؟"
هزّت رأسها، فقال:
"كان عالمًا... يُدعى كاليكس. قبل قرنٍ تقريبًا، كتب في دفاتره الأخيرة أن الحقيقة لا يمكن أن تُدرك إلا حين نكسر الحاجز بين الحياة والعقل المحض. كان يريد أن يفهم كل شيء. النشوء، الانهيار، التكرار، والمصير."
"وتوفي؟" همست رونا.
"قُتل، بالأدق. في ظروفٍ غامضة. الحكومة أنكرت وجوده. ملاحظاته اختفت. لكن أحدهم… حفظ ما تبقى من عقله."
تراجعت رونا خطوة دون أن تشعر، والهواء حولها صار أثقل.
"ومن هذا الأحد؟"
أجاب ألفريد دون تردد:
"أنا."
حدّقت به، مصدومة، قبل أن يسألها:
"هل تتذكرين عندما كان الجميع يظن أن آيلي مجرد مشروع طفلة معدّلة وراثيًا؟ لم تكن كذلك فقط. لقد كانت حاوية. جسدًا مختارًا بدقة... ليتحمّل ما تبقى من عقل كاليكس. ليس الذاكرة، بل جوهره... منطقه، تشويشه، هوسه."
ارتجف صوت رونا:
"ولهذا... كانت تتحدث بكلمات لا نفهمها؟ كانت تكرر أشياء غريبة، كأنها تُحدّث شخصًا غير مرئي؟"
"لأنها تفعل." أجاب ألفريد، بنبرة منهارة من الداخل.
"كاليكس لم يمت. ليس تمامًا. عقله كان أكبر من أن يُدفن. أنا فقط... أعطيته وسيلة للعودة."
صمت.
الغرفة بدت وكأنها تتنفس معهم، الجدران تنصت، والضوء ينكمش شيئًا فشيئًا.
رونا شهقت بصوت خافت، وسألت:
"وما الذي سيحدث الآن؟"
ألفريد لم يجب.
كل ما فعله هو النظر إلى الباب المغلق… حيث كانت آيلي تقف خلفه منذ البداية، تستمع.
فجأة، كما لو أن اللحظة اختنقت بثقل الأسرار، انفتح الباب.
دخلت آيلي بهدوء غير بشري. خطواتها لا تُصدر صوتًا، وعيناها ساكنتان… وكأنهما تُبصران أشياءً لا تُرى. وقفت خلف رونا مباشرة، وعبثت أصابعها في طرف فستانها كما لو كانت طفلة لا تعرف ماذا تفعل بجسدها.
قالت بنبرة خافتة، كأنها تتحدث مع جدار:
"كان لا بدّ من جسدٍ لا يخاف النوم... ولا يشتاق إلى الاستيقاظ."
رونا التفتت إليها ببطء، والخوف يتصاعد في صدرها كدخانٍ أسود.
"ماذا... تعنين؟" سألتها، لكنها لم تجب.
اقتربت آيلي من الطاولة، حدّقت في فنجان القهوة، ثم قالت:
"كانوا يسمونه العقل العظيم، لكنه لم يكن سوى... رجلٌ ضلّ طريقه إلى النهاية. أراد أن يرى الحقيقة، لكنه نسي أن العين التي ترى كل شيء... لا تعود ترى نفسها."
سكتت، ثم نظرت إلى ألفريد، وقالت بهدوء:
"أخبرتها بما يكفي، أليس كذلك؟"
لكن ألفريد لم يجب. كان يتنفس ببطء، وكأن الهواء صار سائلًا ثقيلاً.
اقتربت آيلي من رونا الآن، حتى صارت بينهما خطوة واحدة فقط.
همست بصوت لم يكن يشبه صوتها:
"أنا أستطيع سماع الأشياء التي تُقال في الغرفة المجاورة… قبل أن تُقال."
ارتعشت رونا، وأرادت أن تبتعد… لكن قدميها لم تطاوعاها.
"أفكارك..." قالت آيلي، "هي مجرد أصواتٍ متأخرة بالنسبة لي."
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، مائلة، مليئة بشيءٍ لا اسم له.
"لهذا... أنا لا أجيب دائمًا. لأن الأسئلة التي تسألونها… لم تُطرح بعد."
رونا، وقد سُحبت بداخل نفسها، لم تستطع أن تمنع تلك الرغبة العنيفة التي تسكن صدرها. تقدّمت خطوةً أخرى، ورفعت يديها المرتجفتين، وأمسكت بيدي آيلي الباردتين كالجليد الذي لم يرَ الضوء منذ قرون.
قالت بصوت مكسور، ممتزج بالخوف والرغبة:
"أكملي، أرجوك… لا تتوقفي. أريد أن أعرف. حتى لو مزّقني ما سأعرفه… قولي لي."
آيلي نظرت إلى يديها المحتجزتين في قبضتي رونا، وكأنها لم تختبر اللمس من قبل. ثم رفعت عينيها ببطء إلى وجه رونا. لم يكن في نظرتها حنان… بل شفقة.
"أنتِ لا تملكين البُنية المناسبة لفهم ذلك،" همست، "ولا القلب المناسب لنسيانه بعد أن تفهميه."
"لا يهم،" قالت رونا وهي تشدّ على يدي آيلي، "لقد تعبت من الركض خلف الظلال. فقط… احرقي النور فيّ."
سكون...
ثم تحدثت آيلي، هذه المرة بصوتٍ لم يكن لها. وكأنه صدى شيءٍ أكبر منها بكثير.
"العقل العظيم لم يمت."
رونا شهقت، لكن آيلي تابعت دون أن ترفّ رمشًا.
"لقد امتدّ. توزّع عبر ترددات لم تكن متاحة للبشر. لقد كان يرى الوقت كخيطٍ دائري. ولذا... قرّر أن يُزرع."
"يُزرع؟ أين؟ كيف؟" همست رونا، صوتها بالكاد يُسمع.
"جزءٌ منه فيّي. في كُلّ مرة أحلم... أنا أُكمِل معادلاته."
"هل... تعلمين ماذا كان يبحث عنه؟"
هنا ابتسمت آيلي ابتسامة صغيرة، متعبة، مائلة للخواء:
"لم يكن يبحث عن الكون، بل عن ما قبل الكون. كان يريد أن يصنع شيئًا لا يحتويه الزمن… شيء يُنقذه من كونه كائنًا بشريًا."
صمتت، ثم نظرت إلى يد رونا.
"لكنكِ أمسكتِ بي. وهذا… يُربكني."
رونا سحبت يديها ببطء، وكأنها تشعر فجأة أن جسد آيلي يشعّ شيئًا ما — شيء يُشبه الذاكرة، لكن لا أحد يتذكّره.
ساد الصمت بعد كلمات آيلي الأخيرة، وكأن الهواء ذاته انكمش حولهم، خائفًا من أن يُلامس ما قيل.
لكن ذلك الصمت لم يدم.
صوت ألفريد اخترق الجو بثقلٍ مقيت:
"انتهى وقت الحديث."
نظرت إليه رونا، مذهولة، فمها ما يزال مفتوحًا بذهول.
"لكنها كانت—"
قاطعها، بنبرة أكثر حسمًا:
"قلت كفى، الوقت متأخر، وهذا ليس وقت هذه الأمور."
لكن عينيه كانتا معلّقتين على آيلي فقط، تتحدثان بما لم يُنطق. تحذير صامت. أمر لم تُعلنه الكلمات، لكنّه طغى على الغرفة بأكملها.
