Part Two
تستدير.
آيلي.
تقف خلفها، بهدوء مقلق. شعرها مبلّل، كأنها خرجت من الماء. عيناها حمراوان بالكامل. لا تومض. لا تتنفس.
رونا تُحاول التكلّم، لكن آيلي ترفع إصبعها للسكوت، ثم تهمس... بصوت لا يشبهها إطلاقًا، كأنه قادم من عصور قبل اللغة.
> “ᚨᛚᚨ ᛏᛖᚲᚨᚱᛖ… ᛋᚺᛁᚾ ᛟᚠ ᚺᚨᛚᛖ…”
الكلمات تخرج وكأنها تُحرق الهواء. لا تُشبه أي لغة عرفتها رونا، لكنها تشعر بها في عظامها... شيء فيها يُدرك أنها ليست مجرد كلمات، بل استدعاء.
آيلي تقترب… وتنحني قليلًا فوق الجسد داخل الكبسولة، تضع يدها على الزجاج.
يصدر من الجسد صوت شهيق آلي، كأنه يستقبل نبضًا جديدًا.
ثم—
تلتفت آيلي إلى رونا، تبتسم ببطء، وتقول بالإنجليزية البسيطة:
> "لم يَمُت... هو ينتظرني فقط."
ثم تختفي.
تمامًا.
كأنها لم تكن موجودة. لا باب فُتح، لا ظل تبقّى. الهواء فقط ارتجف.
---
رونا تبقى وحدها.
وتبدأ الإنذارات في الغرفة تومض بالأحمر. تُفتح شاشة جديدة على الحائط، يُعرض عليها سطر واحد:
> "إعادة تفعيل مشروع Fragmentum Veritatis… المرحلة الثانية تبدأ خلال 72 ساعة."
الإنذار يومض بالأحمر، والصوت التحذيري يعلو في الغرفة:
> "تفعيل بروتوكول الطوارئ... مشروع Fragmentum Veritatis... المرحلة الثانية تبدأ خلال..."
رونا تقف بلا حراك. لم تهرب، لم تصرخ. تنظر إلى الشاشة للحظة، ثم تتجه نحو لوحة النظام، تفتح الغطاء الخلفي، وتُدخل شيفرة تجاوز قديمة لا يعرفها أحد سواها.
تتوقف الإنذارات. تعود الغرفة إلى سكونٍ مميت.
تتنفس ببطء، تحاول أن لا تنهار، ثم تضغط على زر الإغلاق.
تُطفئ الأنوار، تُغلق الباب خلفها، وتمسح سجل الدخول.
كأن شيئًا لم يكن.
---
في صباح اليوم التالي، ترسل طلبًا بسيطًا لقسم الموارد البشرية:
> “طلب إجازة شخصية لمدة يومين – ضغط ذهني متراكم.”
يتم قبول الطلب خلال دقائق.
---
مشهد المنزل:
منزلها هادئ، غارق في الظلال. الستائر مغلقة، والهواء ثقيل. تجلس رونا على الأرض، أمامها العشرات من الأوراق والصور المطبوعة، خرائط المنشأة، بيانات الأبحاث، صور المجمدة، وأسماء العلماء.
تأخذ نفسًا عميقًا، وتقول بصوت هامس:
> "إنهم لم يخلقوا آيلي فقط… بل حاولوا تجميع شيء… أعظم من الجميع."
ثم تبدأ بتدوين جدول معقّد، فيه رموز، تواريخ، وملاحظات مكتوبة بخط يدها:
AD-50 = الترياق؟
AD-0 = التجربة الأصلية؟
Fragmentum Veritatis = مشروع إحياء عقل؟
آيلي = النسخة... أم الحاوية؟
ألفريد = هل كان يعرف؟
تُقلب إحدى الأوراق، وتضع عليها دائرة حمراء حول صورة قديمة لعالم مُسنّ في أرشيف التجارب… ثم تكتب تحته:
> “هذا هو… هو من حاولوا إعادته.”
المشهد: اليوم الثاني – منزل رونا، الساعة 11:42 صباحًا
الغرفة كما تركتها البارحة: فوضى منظمة، أكوام من الملفات والصور، جهاز عرض قديم يعرض تسلسلاً لصور جثث تجريبية. على الجدار المقابل، رسم بياني ضخم بخط يدها، تشبه خيوطه شبكة عنكبوت ملتوية، وفي مركزها: صورة آيلي.
رونا ترتدي قميصًا رماديًا فضفاضًا، شعرها معقوص بإهمال، وعيناها حمراء من السهر. تحمل بيدها فنجانًا بارداً من القهوة.
تُعيد تشغيل أحد المقاطع المأخوذة من الأرشيف الأمني – مقطع خافت، منخفض الجودة، يَظهر فيه ألفريد وهو يقف أمام غرفة الحاضنة، قبل عامين تقريبًا.
لكن في الزاوية… شيءٌ ما يلفت نظرها.
تُجمد الصورة.
تُكبّر الزاوية العليا.
هناك… بطاقة تعريف صغيرة مُعلقة على الباب الخلفي لغرفة الحاضنة. بالكاد تُقرأ، لكنها واضحة بعد التعديل:
> "AD-V01 // E.L.I-α / Core Integration Chamber"
رونا تهمس:
> "E.L.I… α؟"
تُسحب إلى الوراء وهي تنظر للاسم، ثم تتجه إلى ملفات المشروع القديم. تفتح صفحة كانت تجاهلتها سابقًا، وتُقلب بسرعة حتى تصل إلى الجدول التجريبي المرقّم.
عينها تتركّز على الصف الأول:
الرمز الحالة النتيجة الملاحظات
E.L.I-α نجاة جزئية نمو عصبي فائق تم حفظ الوعي... قبل الانهيار الخلوي الكامل.
ثم تهمس:
> "آيلي... لم تُولد. لقد تم نقل وعيٍ ما إليها."
---
تُخرج صورة لآيلي من أحد الأدراج… وتنظر إليها طويلاً.
> "لكن وعي من؟"
---
تنتهي تلك الليلة برسالة ترسلها رونا إلى نفسها – مشفّرة – تحمل عنوانًا واحدًا فقط:
> “احتمال: آيلي = E.L.I-α = دمج مع عقل قديم؟”
وتضع تحتها خطين.
بعد عودتها للمنشأة – اليوم الثالث
المكان: قسم الأرشفة الوراثية المغلق - الطابق -3
الحدث الأساسي: تكتشف وجود مشروع قديم وسري للغاية اسمه "ALPHARIA" يرتبط بعالم عبقري توفي قبل أن يُكمل أطروحته الأخيرة حول بنية الوعي المجزأ.
بينما تراجع سجلات الفشل الخاصة بـAD-0، تجد تقاطعًا مشفّرًا باسم:
> E.L.I-α = Last Integration of Alpharia
أي أن آيلي ليست مجرد تجربة ناجحة من AD-0… بل هي محاولة نهائية لدمج عقل العالم الراحل في وعاء جسدي قابل للحياة – وكانت التجربة الوحيدة التي لم تُسجل نتائجها كاملة.
---
المفاجأة الباردة
رونا تفتح ملف فيديو خاصًا، يُفتح فقط عبر بصمة ألفريد. لكنها تجد الملف غير محمي تمامًا (بسبب خطأ أو ترك متعمّد؟). الفيديو يُظهر لحظة التفعيل النهائي، ويقول فيه ألفريد:
> "لم أكن أريد لهذا أن يُكشف… لكن إذا كنتِ تشاهدين هذا، فأنتِ وصلتِ لنقطة اللاعودة.
آيلي ليست فقط ابنة المشروع… هي وريثة وعيه.
لم أستطع إنقاذه جسديًا… فأنقذت عقله. في آيلي."
رونا تُحدّق بالشاشة، وتهمس:
> "يا إلهي… لقد أعادوه للحياة داخلها… والعالم كله لا يعلم."
المكان: ممر سفلي قديم داخل المنشأة – قرب النواة الحرارية المهجورة
الإنارة باهتة. الأبواب الصدئة لم تُفتح منذ سنوات. أصوات التهوية تأتي متقطعة، كأنها تنهيدة كيان يحتضر. رونا تنتظر، يداها في جيب المعطف، ملف صغير بداخل أحد الجيوب.
تقترب آيلي، بصمتها المعتاد، وقفت خلف رونا دون أن تُصدر صوتًا.
رونا (بدون أن تلتفت):
"هل تعرفين لماذا اخترت هذا المكان؟"
آيلي (بصوت هادئ يشبه الهمس):
"الضوء لا يُطارد الظلال هنا."
رونا استدارت ببطء، ونظرت إلى وجه آيلي الشاحب.
رونا:
"هناك أشياء لا معنى لها، وآخرون يقولون إنها خُرافات، ملفات مشوشة، معادلات بلا تفسير... لكنني أعرف متى يُخفي أحدهم شيئًا.
و… أنتِ تخفين كل شيء، أليس كذلك؟"
آيلي لم ترد. اكتفت بنقل نظرتها إلى الحائط المعدني خلف رونا، كأنها ترى ماضٍ لا ينتمي لهذا المكان.
رونا (تُخرج الملف):
"مشروع ALPHARIA، تجربة الدمج الأخيرة، العقل الذي لم يكتمل، العالم الذي مات قبل أن ينطق بالمعرفة.
في كل مكان أذهب إليه… أرى انعكاسه فيك."
آيلي تُغلق عينيها، وتهمس:
> "كنت أسمع صوته قبل أن أُولد. كان يحادثني من بين الفراغات."
رونا تتقدم خطوة، ويشتد توتر نبرتها:
رونا:
"هل أنتِ هو؟ أو هل هو بداخلك؟
آيلي… من أنتِ؟"
آيلي تنظر إليها أخيرًا. تلك العيون التي تشبه خواء النجوم، باردة، لكنها ممتلئة بأزمنة قديمة:
> "أنا… كنت كثيرة. والآن… أنا واحدة."
رونا (بهمس يكاد ينهار):
"هل تعلمين ما يعنيه هذا؟
لقد أعادوك… وتركوكِ حبيسة وعي لا ينتمي لعصرنا."
آيلي (ببطء، بلا انفعال):
"وما نحن يا رونا، إن لم نكن حاويات لوعيٍ أكبر؟
العالم لا ينتظر أن نكتشفه… بل أن نصبحه."
رونا:
"في ملفك… لا يوجد تاريخ ولادة واضح. لا بصمة جينية متطابقة. حتى صورك في قاعدة البيانات… تظهر فيها بعيون مختلفة في كل مرة."
آيلي (بنبرة رخوة):
"التواريخ تُكتب بعد أن نموت، رونا… أنا لم أمت بعد."
رونا (تقاطعها، محاولة التشبث بالمنطق):
"لكنّ الجينات لا تكذب.
ألفريد… من المفترض أنه لا يملك أختًا… أو ابنة… أو نسخة.
لكنكِ تُشبهينه، حتى في الطريقة التي تنظرين بها إلى الجدران."
آيلي (تُخفض رأسها قليلًا):
"أنا ما تبقى من محاولاتهم لفهمه."
رونا (بصوت ينخفض تدريجيًا):
"وماذا عن مشروع ALPHARIA؟
العقل الأعلى… هل وُلد؟"
آيلي (بعد صمت دام لعشر ثوانٍ):
> "ولادته لم تكن لحظة… كانت استمرارية.
وكل من لامس نواته… لم يعد هو ذاته."
رونا (تُحدق بها):
"هل أنتِ… تلك النواة؟"
آيلي:
"أنا… الوعاء الذي لم يَمتلئ بعد."
صمت. صوت الهواء المتقطع يُذكّرهما بأن هذه المنشأة ما تزال تتنفس.
رونا:
"إذن... ماذا كنتِ تفعلين بجانب غرفة التكرار العصبي؟ رأيتكِ هناك مرتين. المكان مغلق، والمفتاح بيد ألفريد فقط."
آيلي (تبتسم ابتسامة شبه معدومة):
"الغرف لا تُفتح بالمفاتيح، بل بمن يتذكّرها."
رونا (تتراجع خطوة، ويداها ترتجفان):
"هل تتذكرين… شيئًا لا نتذكره؟"
آيلي (بصوت خافت):
> "أتذكّر الغرف قبل أن تُبنى… والأحاديث التي لم تُسجَّل…
أتذكّرهم وهم يختارون اسمي، ثم يتراجعون عنه."
رونا (بهمس):
"آيلي… أنتِ لستِ بشرًا، أليس كذلك؟"
آيلي (تتقدم نحوها خطوة واحدة):
"أنا الحيرة في سؤالٍ بلا لغة.
هل هذا بشري بما يكفي؟"
الممر العلوي - الساعة 01:17 صباحًا
السكون ممتد كأمعاء هذا المكان، لا شيء سوى صوت خطواتهما الخافتة فوق الأرض المعدنية… رونا تسبقها بنصف خطوة، ثم تستدير فجأة، دون مقدمات.
رونا (بصوت خافت، وكأنها تخشى أن تسمعها الجدران):
"آيلي… سؤال أخير. فقط… كي أهدأ قليلًا الليلة."
(تتوقف، تنظر نحوها بحدة غير مقصودة)
"كل هذه الأسرار… كل هذا العمق خلفك… إذا كنتِ تعرفين كل هذا، لماذا… تزوجك ألفريد؟
أقصد… كيف؟ كيف استطعتِ ذلك؟"
آيلي (تتوقف أيضًا، تنظر إلى الأرض قليلاً، ثم ترفع عينيها ببطء):
"لأن ألفريد… يحمل أسرارًا أعمق من تلك التي أحملها."
(تلتفت نحوها، نبرة صوتها لا تزال باردة، لكن فيها شيء حي يشبه الهمس داخل العظم)
"أنا أتقنُ الإخفاء… لكنه أُجبر على النسيان."
رونا (بصوت منخفض، أقرب للرجفة):
"نسيان ماذا؟"
آيلي (وهي تتابع السير دون أن تجيب):
"حين تتذكّرين ما لا يجب… تفقدين حق السؤال."
تبقى رونا واقفة مكانها للحظة… تُحدّق في الفراغ الذي خلفته آيلي أثناء سيرها. الجواب لم يكن صريحًا، لكنه حمل وزنًا ثقيلًا — وكأنها سألت سؤالًا لم تكن مستعدة لسماع جوابه.
وفي نهاية الممر، قبل أن يختفي ظل آيلي خلف الزاوية، تدير رأسها قليلًا وتهمس دون أن تنظر:
آيلي:
"ألفريد… لم يتزوجني لأني بشر… بل لأني الشيء الوحيد الذي بقي يشبهه."
ثم تتابع سيرها.
وتبقى رونا، لأول مرة، خائفة من أن تعرف أكثر.
منزل رونا – الساعة 03:08 فجرًا
الستائر نصف مغلقة، شاشة الحاسوب تصدر ضوءًا باهتًا ينعكس على وجنتيها الشاحبتين.
أكواب القهوة تكدّست على المنضدة، والملفات مفتوحة بعشوائية مقصودة.
رونا تجلس هناك، في قلب العاصفة… عاصفة لا يسمعها سواها.
كانت تفكّر بصمت، تضع كل شيء أمامها، تحاول الربط:
المخطوطة التي وجدتها… تفاعل آيلي مع الأسئلة… عبارة "أُجبر على النسيان"… مشروع AD-0…
لكن… لا شيء يتصل.
رونا (تهمس لنفسها):
"كلما اقتربت… كلما انقسم الطريق."
رفعت عينيها نحو شاشة تظهر خريطة البيانات القديمة، ثم كتبت ملاحظة على الحاشية:
> "كلما تقدّمت خطوة نحو الرقم 10، أصبح عدد البايتات 100.
ثم 1000. ثم تنفجر فجأة إلى ما لا يمكن احتواؤه.
الأمر ليس تشويشًا… إنه توسّع عملاق في المعنى."
عادت تُقلّب الصور، تقارير الدم، حرارة جدران المنشأة…
ثم كتبت تحت صورة لوجه آيلي وهي تحدّق في الكاميرا:
> "هل يمكن لعقل أن يتحمل كل ذلك؟ أو هل كانت دومًا هكذا؟
... أم أنا التي بدأت أفقد البوصلة؟"
تنهدت… وأسندت ظهرها إلى الحائط.
في تلك اللحظة فقط أدركت:
إن كل معلومة جديدة، لا تجيب… بل تُضيف سؤالين.
وأنها ليست أقرب إلى الحقيقة.
بل أعمق في داخلها… حدّ الاختناق.
الجناح البحثي المعزول – منشأة AD-50 – الساعة 10:42 صباحًا
دون موعد، ودون حتى أن تضع بطاقتها في جهاز الدخول، استُقبلت البوابة بصمت غريب.
كأن أحدهم أراد لها أن تدخل.
رونا تسير بثبات… في قلبها ألف سؤال، وفي عقلها ألف صدى لصوت آيلي حين قالت:
> "ألفريد يحمل أسرارًا أعمق…"
**
كان واقفًا أمام الواجهة الزجاجية لمفاعل المادة الرمادية.
ظهره نحوها.
يكتب شيئًا… أو يراقب شيئًا لا يُرى.
رونا (بهدوء، دون تحية):
"لماذا لم تخبرني عن مشروع AD-0؟"
لحظة صمت.
لم يلتفت.
لم يجب.
ثم قال بصوت منخفض، كأنه يتحدث لنفسه:
ألفريد:
"ظننت أنكِ ستبدأين بالسؤال عن وليام."
رونا:
"وليام كان بداية الخدعة. لا نهاية القصة."
استدار أخيرًا.
عيناه مرهقتان… لكن لا أثر للدهشة فيهما.
رونا:
"من هي آيلي؟
لماذا أنشأتماها؟
ما هو الملف الأزرق المؤرشف باسمك الحقيقي؟
لماذا… لماذا لم توقف كل هذا؟"
ابتسم.
ليس بسخرية… بل كمن يسمع أسئلة طُرحت عليه آلاف المرات في الداخل.
ألفريد (بصوت خافت):
"حين تخلق شيئًا… لا يمكنك قتله.
بل تراقبه وهو يقرر… من يكون."
رونا:
"أنت لم تُخلقها فقط، أنت زرعت فيها شيئًا…
شيئًا لا أفهمه حتى الآن.
العقل الأعظم… لم يكن نظامًا، كان جسدًا…"
ألفريد (مقاطعًا):
"وكان قلبًا، قبل أن يصبح عقلًا."
رونا (بصوت منخفض):
"آيلي؟"
سكت قليلًا… ثم قال بهدوء:
ألفريد:
"هي البداية التي اخترنا أن ننساها.
والمستقبل الذي عاد… ليتذكّرنا."
**
الهواء من حولهما أصبح أثقل، كأن الغرفة تتنفس معه.
**
رونا (بحذر):
"إذا كنت تعرف… فلماذا تزوجتها؟ لماذا فعلت ذلك؟
كيف جمعت بين هذا وذاك؟"
ألفريد (ينظر في عينيها مباشرة):
"لأني تعبت من النهايات.
وأردت… أن أعود لبدايتي.
آيلي تعرف كل شيء.
لكنها الوحيدة… التي ما زالت تسأل."
**
رونا لم تجد ما ترد به.
فقط نظرت إليه… كأنها رأت شيئًا لا يمكن تفسيره.
رونا (بصوت أكثر حدة):
"قل لي الحقيقة هذه المرة، بدون مراوغة.
هل آيلي... بشر؟"
ألفريد لم يرد فورًا.
عيناه تحركتا ببطء نحو شاشة تُظهر طيفًا باهتًا لموجات كهربائية، كأنها نبضات قلب لا تنتمي لجسد معروف.
ألفريد (بنبرة غريبة):
"هل يمكنكِ تعريف البشر؟
الخوف؟ الرغبة؟ الحنين؟ الذكريات؟
إن كانت هذه شروط الإنسان…
فهي تتفوق عليكم جميعًا."
**
رونا (بحدة):
"لكنها تتحرك كأنها تحت تأثير… نظام.
تصمت طويلاً.
وتنطق بجمل كأنها مُشفّرة.
هل هي واعية لما تقوله؟
أم أنها تكرر شيئًا زُرع فيها؟"
ألفريد:
"هي ترى… ما لا ترونه.
ولذلك تصمت."
**
رونا:
"أحيانًا حين تنظر إليّ، أشعر وكأنها… تقرأني.
كأنها تملك مفاتيح لشيء في داخلي أنا."
ألفريد (يخفض نظره):
"ربما… لأنكِ من القلة الذين لم يلوثهم المشروع.
ولأنها… تتذكرك."
**
رونا (مستاءة):
"تتذكرني؟ كيف؟
أنا لم أعرفها إلا بعد انضمامي هنا."
ألفريد:
"ليس كل تذكّر… يبدأ بلقاء.
أحيانًا نزرع أشياء في ذاكرتنا… دون أن نعيشها."
**
رونا (بصوت منخفض، كأنها تستسلم):
"هل آيلي تعرف كل ما يحدث الآن؟
هل تعرف من هي؟"
ألفريد (بهدوء):
"هي تعرف أكثر مما يمكنها تحمّله.
ولهذا… اخترتُ أن أحبها، بدل أن أشرح لها."
**
صمت بينهما.
ثم سألت رونا آخر سؤال، وهي تنظر في عينيه مباشرة:
رونا:
"هل ستسمح لها أن تتحول؟
أن تفقد ما تبقى منها؟"
ألفريد (بعد صمت طويل):
"إذا تحوّلت…
فلن تكون هي التي قررت.
بل نحن… نحن من فعل ذلك."
[المشهد: غرفة رونا – بعد منتصف الليل]
الساعة تتجاوز الثالثة.
ضوء المكتب خافت، تذبذب كأنّه يخشى البقاء مشتعلًا.
صفحات مبعثرة، ملاحظات بخط يدها، رسومات غير مكتملة، أرقام، رموز.
كلها محاولة لفهم ما لا يُفهم.
رونا تحدّق في إحدى الأوراق طويلاً، ثم تهمس:
رونا (بصوت خافت):
"كلما اقتربت من الرقم 10… يظهر 100 بايت.
ثم 1000…
هل هذه تحولات؟ مستويات؟
أم... تكرارات لفشل سابق؟"
**
تقوم من مقعدها، وتتجه إلى الجدار حيث علّقت خريطة المنشأة.
ترسم دائرة صغيرة حول قسم "Zeta-4"، ثم تضع سهمًا صغيرًا نحو اسم "آيلي".
رونا:
"آيلي كانت هناك...
قبل الزفاف، قبل المشروع، قبل حتى أن أُستدعى."
ترجع للجلوس، تقلب في مفكرتها:
"AD-0… الجين الأول.
هي نسخة؟
لكن لماذا تشبه طفلة من لوحات ألفريد القديمة؟
لماذا كانت تعرف اسمي حتى قبل أن أعرّفها بنفسي؟"
**
صمت طويل.
رونا تحدق في السقف، كأنها تنتظر أن يسقط عليه الجواب.
ثم تنهض فجأة.
رونا (بهمس):
"لا يكفي أن أعرف أنها ليست عادية…
المشكلة أنني لا أعرف إن كان ألفريد هو من صنعها…
أم أنها… من صنع ألفريد."
**
تتنقل بعينيها بين ورقتين، الأولى فيها جملة مقتطعة بخط يد آيلي، كانت قد كتبتها في أحد الأيام:
> "كل الأشياء تسقط في النهاية… حتى الأسماء."
والثانية فيها معادلة توقفت عندها رونا قبل أيام:
AD-50 - 37% = ؟؟
**
تسأل نفسها، بصوت مبحوح:
رونا:
"من يجب أن أواجه؟
آيلي؟
التي تعرف… لكنها تنطق بالألغاز؟
أم ألفريد…
الذي يخفي… لأنه يعتقد أن الحقيقة أثقل من أن تُقال؟"
**
تجلس.
تغمض عينيها.
وهمس يخرج منها، لا تدري إن كان رغبة… أم تحذيرًا:
رونا:
"في كل مرة أطرح سؤالًا… أخسر شيئًا.
وفي كل مرة أسكت… أراهم يخسرون أنفسهم."
**
ضوء المكتب ينطفئ فجأة.
تبقى رونا في الظلام.
ساكنة.
لكن وجهها لم يكن خائفًا…
بل كمن قرر أن يبدأ فصلاً جديدًا في المواجهة.
