Part One
بعد مرور أسبوعين على حفل الزفاف، عادت المنشأة إلى هدوئها المعهود، كأن شيئًا لم يحدث. كانت الممرات نظيفة، الأجهزة تعمل بانتظام، والموظفون يتحركون بخفة كمن يهرب من الذكريات الثقيلة. لم يكن أحد يود التطرق لتلك الليالي السوداء، لا تلميحًا ولا سؤالًا.
في أحد الأجنحة السفلية، حيث الأرفف المغبرة والدرج الحديدي الصدئ، كانت رونا تجلس على ركبتيها أمام خزانة ملفات مهجورة منذ عقود. كانت تبحث عن مخططات أرشيفية لتجهيز وحدة التجارب الجديدة، ولكن ما جذب نظرها لم يكن ما أتت من أجله.
ورقة صفراء، مكتوب عليها بخط يدوي باهت:
"AD-0: التجربة الأصلية – ألفريد & آيلي".
عبست قليلًا، حدقت في الاسم ثم سحبت الملف ببطء وكأنها تسرق من يد الزمن.
فتحته بحذر، لتجد بداخله عشرات الصفحات، بعضها ممزق، وبعضها مغطى بالبقع القديمة... لكن المعنى كان واضحًا.
كان المشروع AD-0 هو البداية… البداية الحقيقية.
مركب بدائي يشبه AD-50، لكنه أقدم بثلاثين عامًا من أي وثيقة رسمية عُرفت في السجلات. كان الهدف منه تعديل الأجنة جينيًا، بصرامة مطلقة. وبحسب الوثائق، كان العالمان المنفذان للتجربة هما والدا ألفريد. وكان الهدف... خلق توازن بشري فائق، ذكاءً وانضباطًا وقدرةً على تحمل الطفرات.
لكن ما صدَم رونا حقًا، أن الجنين الأول الذي تم العمل عليه كان "طفلهما" الأصلي. تم نسخه مخبريًا، وخلق نسخة أنثى مُعدلة بخصائص عقلية وعصبية أشد استقرارًا، أقل تفاعلًا، وأكثر... غموضًا. تلك النسخة كانت... آيلي.
سقطت يد رونا عن الصفحة، بقيت تحدق باسمها مطبوعًا أسفل المعادلات.
"Subject ID: A-01F / Designation: Ayli"
ثم انتقلت عيناها إلى الهامش السفلي، حيث دوّن والد ألفريد:
“اختبرنا التركيبة على أحد الجينات المنسوخة... التكوين كان مستقرًا لكنه ناقص، دون أبوين… اخترنا له اسماً افتراضياً: وليام.”
شهقت رونا بصمت، لكنها لم تتحرك. كأن الدقائق تجمدت حولها، والضوء في القبو أصبح باهتًا أكثر.
أغلقت الملف وأعادته إلى مكانه كما كان، ولم تقل شيئًا.
كانت تعرف تمامًا أن هذه ليست معلومة تقال.
ربما كان ألفريد وآيلي يعلمان… بل شبه متأكدة من ذلك. لكنهما اختارا الصمت، وربما اختارا الحزن بصيغة مختلفة.
خرجت من القبو وهي تضع يدها في جيب معطفها الأبيض. عادت تمشي بهدوء في الممرات، لم تتغير ملامحها، لكن عيناها لم تعودا كما كانتا قبل أن تقرأ ذلك الاسم.
في الأعلى، كان ألفريد يقف بجوار النافذة الزجاجية التي تُطل على المختبرات.
لم يقل شيئًا حين مرت رونا بجواره، لكنه نظر إليها نظرة خاطفة.
نظرة تفهم… نظرة من يعلم أنك أصبحت تعلم.
الفصل الثاني: ما لا يُقال
عاد كل شيء إلى طبيعته، أو على الأقل إلى ما يشبه الطبيعة داخل تلك المنشأة. لم يتحدث أحد عن الانفجارات السابقة، ولا عن التحولات، ولا حتى عن زفاف ألفريد وآيلي الذي مرّ عليه أسبوعان. كان الجميع منشغلًا في عمله المعتاد، يضغطون الأزرار ذاتها، يراجعون البيانات ذاتها، ويبتسمون ابتساماتٍ خافتة حين يمرّ أحدهم على الآخر في الممرات.
رونا، التي بدت أكثر هدوءًا من ذي قبل، قضت اليوم بأكمله في أحد الأروقة الخلفية من الطابق السادس، تبحث بين الأدراج المعدنية القديمة عن ملفات أرشيفية كانت تحتاجها. أصابعها مرّت على أوراق بالية ومجلدات مغطاة بالغبار، حتى توقف نظرها على ملف بنيّ صغير كتب عليه:
"AD-0: ألفريد وآيلي"
تجمدت يدها. لم يكن هذا مجرد ملف قديم. بل كان أقدم مما ينبغي—تاريخه يعود إلى ما قبل ولادة ألفريد بثلاثة عقود.
فتحته، ببطء يشبه فتح تابوت قديم. كانت الأوراق بداخله مكتوبة بخط يد أحد والدي ألفريد. مشروع بحثي مشفّر عن التعديل الوراثي الكامل، تحت عنوان: "تقييد النسل الجيني – النسخة البديلة."
الطفل في الدراسة... كان طفلهما.
والنسخة المعدّلة... كانت أنثى.
هادئة. أقوى. أكثر توازنًا.
اسمها: آيلي.
لم تُظهر رونا أي رد فعل، فقط أبقت الملف بين يديها لدقائق. كانت تقرأ وكأنها تسترجع شيئًا خفيًا كان موجودًا دومًا بين السطور.
في زاوية أخرى من الصفحة، لاحظت إسماً آخر:
وليام – نسخة تجريبية (مختلطة من صفات أنثوية، بلا أبوين مباشرين)
شبه اخت.
فهمت. ثم أغلقت الملف وأعادته إلى مكانه. لم تُخبر أحدًا.
الأيام التالية مرت كأن شيئًا لم يحدث.
حتى جاء ذلك اليوم.
كان ألفريد قد جهّز تعديلًا طفيفًا على المركب الأساسي AD-50. لم يكن علاجًا شاملًا، بل مجرد تحسين بسيط لإزالة آثار التلوّن الرمادي الذي بقي في أحد أجزاء جسد آيلي—ظلّ خافت باهت بلون المتحوّلين لم يغادرها.
طلب من رونا أن تكون ضمن الفريق، فقط لمتابعة المؤشرات الحيوية ومراقبة الأجهزة.
آيلي جلست بصمت على الكرسي الطبيّ، ثوبها الأبيض ينساب على الأرض مثل ستارة من ضوء باهت. لم تنظر إلى أحد. فقط ثبتت عينيها على ألفريد، نظرة مباشرة، باردة... ومع ذلك ليست خالية من المعنى.
حين اقترب منها ليغرز الإبرة، همست له بصوت بالكاد يُسمع، كأن أنفاسها وحدها تنطق:
"نحن من نفس الفصيلة... لا تنسَ ذلك."
توقف للحظة. لم يُجبها. فقط ثبّت الإبرة، وضغط برفق.
هو يعلم.
وهي فقط... ذكّرته.
لم يظهر على آيلي أي تغير واضح. تنفست بعمق، ثم أغمضت عينيها، وكأنها انتقلت إلى مكان آخر بالكامل.
المركب الجديد بدأ رحلته في جسدها بهدوء… لا اختلاجات، لا تشنجات، لا صراخ كما في التجارب السابقة.
كان هذا هو الهدف. أن يكون "ناعماً".
رونا كانت تراقب الشاشة أمامها، المؤشرات الحيوية في وضعها المثالي، النبض مستقر، الحرارة ضمن الطبيعي، مستوى التفاعل الكيميائي مع الخلايا العصبية…
"عجيب،" تمتمت دون وعي.
ألفريد لم يلتفت لها.
كان منشغلًا بنظرة واحدة.
نظرة آيلي.
التي، رغم أنها مغمضة العينين، بدت وكأنها ترى.
الوقت مضى ببطء.
دقيقة. دقيقتان. ثم…
رفّت جفناها.
فتحت عينيها ببطء.
لم يكن في عينيها شيء غير عادي. نفس السكون… نفس الظلمة التي تحمل شيئًا قديمًا وغير مكتمل.
لكن في الزاوية الداخلية للعين اليسرى، بدا لون خافت رماديّ قد بدأ بالانحسار.
أشارت رونا إلى الشاشة، ثم قالت:
"التركيب بدأ بالعمل... هناك تفكك في الطبقة الطيفية الملوّنة."
ألفريد لم يجب.
كان يشعر بشيء آخر.
لم يكن التعديل خطيرًا.
لكنه شعر أن تلك العبارة التي قالتها آيلي قبل قليل لم تكن مجرّد ذكرى.
"نحن من نفس الفصيلة..."
هل كانت تعني جينياً؟
أم وجودياً؟
أم شيئًا لا يمكن تفسيره بالكلمات؟
---
في الزاوية الأخرى من المختبر، كانت الكاميرات تدور تلقائيًا في زوايا المراقبة العليا.
إحدى الكاميرات، تلك القديمة التي لا يراجعها أحد غالبًا، سجّلت حركة غير متناسقة خلف أحد الأبواب المعدنية المؤدية إلى وحدة العزل القديمة.
لا أحد لاحظ ذلك.
ولا أحد سيفعل...
إلا بعد فوات الأوان.
حين انتهى كل شيء، نهضت آيلي ببطء من المقعد الطبي.
كانت خطواتها هادئة، وثابتة، وعيناها نصف مغمضتين.
لم يكن فيها ذلك الشرر الطفيف الذي يظهر أحيانًا حين ينفعل تركيب AD في داخلها.
لم يكن هناك اهتزاز خافت في الجلد، ولا تلك الطبقة الشفافة التي تنبض بلون غامض تحت الجلد.
كان جسدها… بشريًا. أكثر من أي وقت مضى.
رونا نظرت إلى ألفريد، وكأنها تقول:
"لقد فعلتها."
أما هو، فلم يقل شيئًا.
اقترب منها ببطء، حتى أصبح على بعد خطوة واحدة منها فقط.
قال بصوت منخفض، متوتر، دون أن ينظر مباشرة في عينيها:
"كيف تشعرين؟"
آيلي لم تجب بسرعة.
بل أخذت نفسًا عميقًا، ثم همست:
"كأنني… خرجت من شيء ليس لي."
ثم استدارت نحوه وقالت، وهي تنظر إليه هذه المرة بنظرة غريبة، أقرب للراحة منها إلى الحذر:
"لكني ما زلت أنا."
أراد أن يقول شيئًا. أي شيء.
لكنه فقط اكتفى بإيماءة صغيرة، شبه ابتسامة، وهو يعلم… أن تلك الكلمات كانت له وحده.
**
رونا كانت تراقب من بعيد، شعرت أن ما يجري يتجاوز فهْمها.
لكنها لم تسأل.
كل الأجهزة أُطفئت.
البيانات تم حفظها تلقائيًا.
المعمل عاد إلى هدوئه المعتاد.
آيلي وقفت أمام الباب، تنتظر أن يُفتح.
وحين فعل، خرجت بهدوء دون أن تلتفت.
ألفريد تبعها بعد ثوانٍ، لم يرد أن تُترك وحدها.
هو يعرف أنها قادرة على التعامل مع أي شيء.
لكنه أيضًا يعرف أنها ليست وحدها الآن… بل نصفها الجديد… بشري بالكامل.
وربما… هذا ما يخيفه أكثر من أي شيء آخر.
بعد أيامٍ قليلة من نجاح تعديل المركب، بدا كل شيء في المنشأة يسير بسلاسة.
لم تكن هناك تقارير طارئة.
الفرق الطبية تراجعت إلى جدولها اليومي البسيط.
حتى وليام، الذي لم يُشاهد كثيرًا منذ الحادثة، عاد إلى غرفته الخاصة حيث يُراقَب عن بعد.
لكن رونا لم تكن تنام جيدًا.
ليس بسبب شك… بل بسبب ذلك الملف الذي لم يكن من المفترض أن تراه.
"AD-0"
الاسم وحده كافٍ ليبقيها متيقظة حتى منتصف الليل.
في إحدى الليالي، حين عمّ الهدوء التام أرجاء المنشأة، توجهت رونا إلى القاعة الفرعية للبيانات الجينية.
كانت ترتدي المعطف الأبيض المعتاد، وتمشي بخفة كأنها معتادة على ذلك منذ سنوات.
لم تخبر أحدًا. لم تترك أي سجل دخول رسمي.
فتحت قاعدة بيانات غير موصولة بالشبكة العامة… واستخرجت الملف المشفر مجددًا.
**
جلسَت، وحدها، أمام شاشة ذات ضوء خافت.
يدها على الفأرة، وعيناها ثابتتان على التواريخ.
بعض السجلات تشير إلى عينات قديمة جدًا… محفوظة منذ أكثر من 15 عامًا.
الرمز الجيني: E-23C–A0
الاسم غير معروف، لكن البيانات مرتبطة بجملة تكررت أكثر من مرة:
> "تعديل تجريبي لأبجدية الدم - المستوى الوراثي 3."
**
رونا بدأت تربط الخيوط.
هذا لم يكن مشروعًا علاجيا.
بل مشروع خلقٍ محكوم.
لاحظت اسمين يظهران في أسفل التقارير القديمة:
الدكتور كارل برايد
والدكتورة ميرلي أرند.
"هذان… ليسا غريبين."
تمتمت رونا، وهي تتذكر أحد التقارير القديمة في أرشيف ألفريد، والذي احتوى على رسالة بصيغة شخصية من الدكتور كارل… إلى شخص يُدعى "فريدريك".
لكن ما جعلها تتوقف فجأة، هو السطر الأخير في تقرير تجريبي قديم:
> "تم تثبيت التعديل 23C في الجنين رقم 001 بعد نجاح التحفيز الجيني من خلال خلايا AILE."
(حالة خاصة: لا يُسمح بالاطلاع دون إذن من الباحث المسؤول F.A)
**
رفعت رونا رأسها ببطء.
عينها اليسرى كانت ترجف قليلًا، وشفتاها انفرجتا عن تنهيدة لم تكتمل.
"آيلي… ليست فقط ناتج تعديل…"
"بل هي… الأصل؟"
أغلقت الملف فورًا، لكنها لم تستطع مسح ما رأته من عقلها.
**
في اليوم التالي، كانت تمشي بين الممرات كأن شيئًا لم يكن.
تبتسم لزملائها، تراجع التقارير مع ألفريد، تتابع حال وليام عن بعد…
لكن عقلها كان يعمل في مكانٍ آخر تمامًا.
لقد فُتح الباب.
وهي… لن تغلقه الآن.
بهدوء مريب، كانت رونا تدخل مختبرات الطابق السفلي بعد انتهاء ساعات العمل. المبنى يعج بالصمت، لا أحد سواها في تلك الممرات الطويلة التي خُفّضت فيها الإضاءة لأدنى درجاتها. لم تكن تبحث عن شيء بعينه في البداية، لكن فضولها الذي ازداد منذ أن فتحت ملف AD-0 جعلها تتتبع كل خيط ولو بدا بلا فائدة.
في الليلة الأولى، وجدت درجًا حديديًا مغلقًا بسلسلة صدئة في قبو التخزين. لم يُفتح منذ أكثر من عقدين، وفقًا لتاريخ الصيانة المدون على اللوحة الجانبية. استعانت بمفتاح طوارئ رقمي قديم كانت تحتفظ به منذ تدريبها الأول، وببطء، أزاحت السلسلة وفتحت الدرج. لم تجد سوى شرائح ذاكرة مغلفة بعبارات غير واضحة: “البذرة الأولى” – “التكرار الرابع” – “تكوين النموذج البشري رقم 3”.
في اليوم التالي، عادت مبكرًا قبل دوام الفريق. أدخلت إحدى الشرائح في جهاز أرشفة مهمل، فظهرت مقاطع فيديو مؤرخة بتواريخ لا تتطابق مع أي أرشيف رسمي. كانت التجارب تتعلق بتعديل الخلايا الجذعية لإنشاء كائن يحمل صفات بشرية متوازنة من حيث العاطفة والقدرة الجسدية – مزيج بين النمط الذكري والأنثوي. الاسم الرمزي للمشروع: “آ-نقطة”.
تجمدت أنفاس رونا. الفيديو يعرض وجهًا شاحبًا لجنين صناعي داخل أنبوب، مغطى بسائل وردي شفاف. لم تكن تعلم من هو، أو ماذا سيكون. لكن جزءًا منها أحسّ بشيء مألوف في ذلك الوجه غير المكتمل. أحست أن هناك رابطًا مبهمًا... وأنها بدأت تتورط أكثر مما ينبغي.
---
في اليوم الثالث، وبينما كانت تتظاهر بالعمل على خوارزميات الأمان، اخترقت نظام الأرشيف القديم الذي كان مخفيًا خلف بروتوكول باسم AILEE.EX. ومع أول فتح له، وجدت ملفًا بصيغة نصية تحت عنوان “تصريح الحذف – ألفريد وغريغوري”.
الرسالة الداخلية كانت قصيرة:
> تم تأكيد حذف السجل الوراثي الكامل لمشروع A.D-0 من الشبكة العامة، بناءً على طلب الباحث ألفريد، وتوقيع المراقب غريغوري.
تبقى نسخة واحدة غير قابلة للحذف ضمن ذاكرة المصدر – مرتبطة بكود المنشأ الجيني الخاص بالنموذج الأنثوي رقم 4.
أُغلق الملف بناءً على بروتوكول الظل.
رونا لم تستطع التنفس لثوانٍ. النموذج الأنثوي رقم 4... هل يمكن أن تكون آيلي؟ وهل كان ألفريد على علم بكل هذا منذ البداية؟ وإن كان كذلك، فماذا كان يخفي تحديدًا؟
ومع ذلك، لم تواجههما. لم تكن مستعدة. اختارت أن تستمر في الحفر، بصمت، بينما يقف ألفريد على الجانب الآخر من المنشأة يعمل على تطوير التعديل الجديد في المركب، وآيلي تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد... كما لو أنها تشعر أن شيئًا ما يُكشف ببطء.
في اليوم الرابع، وبينما كانت رونا تستعرض ملفًا مشفرًا من خوادم التبريد القديمة التي بالكاد تعمل، اصطدمت بملف تحت اسم رمزي: “A_Parenting.Lab”. الملف بدا كواحد من آلاف الملفات المتروكة، لكن عندما حاولت فتحه، طلب منها إذنًا من المستوى الأعلى — توقيع مزدوج رقمي من ألفريد وآيلي فقط.
أدركت فورًا أن هذا الملف ليس جزءًا من النظام الحالي... بل من ماضٍ لم تُسجّله أي وثيقة رسمية.
فعلت ما تجيده أكثر من أي شخص في المنشأة: التحايل على الأكواد. احتاجت ثلاث ساعات متواصلة من العمل في الظلام، والربط بين الواجهات القديمة والجديدة، واستعادة بروتوكول توقيع رقمي لآيلي من لحظة كانت فيها لا تزال طالبة تجريبية في وحدة التدريب، ومن ثمّ تطويع بصمة ألفريد من نظام الأمان الليلي.
وحين فُتح الملف، لم يكن مجرد تقرير.
كان تسجيلًا صوتيًا طويلًا بين ألفريد وآيلي... ليلة ما قبل بدء تطوير AD-50.
> آيلي: "أتعلم، لو كنت مخلوقة من خطيئة علمية، فلتجعلني مفيدة قبل أن أنتهي."
ألفريد: "أنتِ لستِ خطأ. أنتِ كل ما تبقّى لي من... هم. أردت فقط أن يُصلَح ما كان يجب أن لا يُخلق."
آيلي: "سأتحمل، طالما أنك تبقى."
ألفريد: "سنبني نسخة لا تموت، نسخة لا تفقد السيطرة، لا تنسى. مشروع AD-0 سيفشل لأنه قائم على الندم. سننجح فقط إن بدأنا بالحُب."
رونا أغلقت الملف بيد مرتجفة.
الملف لم يكن يوضح فقط أنهم يعرفون. بل أنهم خططوا لكل شيء. كانوا يتحركون داخل المنظومة مثل لاعبي شطرنج يتقنون كل خطوة قادمة. مشروع AD-50 لم يكن عن ترياق للبشرية. بل كان خطة خلاص شخصية، محاولة لخلق شكل مثالي من الخلود، حيث يمكن لفكرة "العائلة" أن تعود من بوابة مختبر لا مشفى.
وفي اليوم الخامس... وجدت رونا مفتاح الربط النهائي: مخطط مدمج باسم "AD-CYCLE". بدا كمخطط لنموذج تطوري ذاتي، مكوّن من أربع مراحل تبدأ بـ"التكوين العاطفي"، وتنتهي بـ"الانبعاث الوراثي". توقيعات كل مرحلة مختلفة: الأولى بإسم آيلي. الثانية باسم ألفريد. الثالثة بدون اسم، والرابعة… بتوقيع "R".
ارتجف قلبها.
هل كانت مشارِكة في شيء لم تُدركه من البداية؟ هل كان جزءٌ منها قد أُعدّ ليكون العنصر الثالث في التكوين؟ هل كانت مجرد مراقبة، أم أنها صارت داخل التجربة نفسها؟
في اليوم السادس… يظهر خلل بسيط في جدول تغذية الطاقة للطابق -3. لا أحد يلاحظ. لكن رونا كانت تعرف أن ذلك الجزء تم عزله منذ سنوات. وعندما تسللت إليه… رأت شيئًا لا يمكن تفسيره: حاضنة فارغة، مكتوب على واجهتها: A.D-1.
في الطابق -3، بعد أن تجاوزت رونا العتمة والضوضاء الكهرومغناطيسية الكثيفة التي جعلت أدواتها ترتج، وصلت إلى ما لم يكن مجرد وحدة تبريد… بل مشرحة بشرية ضخمة مموّهة خلف طبقة من الأكواد الزائفة.
الضوء الخافت ينبثق من مصابيح صفراء مصفَّرة، تحترق وتشتعل ببطء كلما اقتربت من مدخل مزدوج. على الجدار المعدني للبابين، كُتب بخط محفور:
الباب الأيمن: "Homo" — يرمز للبشر.
الباب الأيسر: "Erratum" — الخطأ.
مدّت رونا يدها، وترددت للحظة، ثم فتحت باب Homo.
رائحة النيتروجين السائل تكثّفت حتى خنقتها. صفوف طويلة لا تنتهي من جثث بشرية مجمّدة موضوعة في كبسولات زجاجية، برودتها تحت الصفر بعشرات الدرجات. كل جثة مرتدية زيًّا موحّدًا أبيض، مغطاة بجلد بلا لون، بملامح شبه نائمة، كأنها تنتظر أمرًا بالعودة.
لم تكن مجرد جثث. كان بعضها يشبهها… والبعض يشبه آيلي. والبعض الآخر يطابق ملامح ألفريد... لكن بشكل ناقص.
ركضت رونا نحو الباب الآخر، Erratum.
هنا اختلف كل شيء.
البرودة كانت أشد، لكن الدماء المجمّدة على الأرض أعطت طابعًا مرعبًا. الجثث كانت مشرّحة تمامًا — جمجمة مفتوحة، قلوب مستخرجة، عظام معاد تكوينها ثم فُصلت مرة أخرى. كل جثتين بجانب بعضهما على سرير معدني مغطى بأرقام وأكواد... كأن العملية كانت تنطوي على تنسيق بين شخصين لصنع شيء ثالث.
وفي نهاية القاعة، وُضعت الحاضنة. كانت تتوهّج بضوء أزرق خافت، تنبعث منها حرارة غير مفهومة وسط كل هذا الجليد.
تقدّمت رونا، وقلبها يكاد يتوقف.
الجثة بداخل الحاضنة لم تكن واحدة، ولا كاملة، ولا مميزة. كانت كأنها مزيج من سبعة أشخاص على الأقل.
يد يسرى نحيلة وطويلة كألفريد.
يد يمنى مشوهة وعليها ندبة مألوفة… كأنها من وليام.
ساقان غير متناظرتين، واحدة أكبر والأخرى أقصر.
وجه مقسوم بخط رفيع بين جهتين مختلفتين: عين بلون رمادي، وعين أخرى بنفسجية.
كأنما شخصًا ما جمع الأفضل من كل جثة، وركّبها… وفشل.
لكن عينا الجثة، رغم تجمّدها، لم تكونا مغمضتين تمامًا.
رونا حدّقت فيهما… ثم شهقت.
العين الرمادية، كانت تتحرّك ببطء... وتراقبها.
رونا، رغم ذعرها، اقتربت من شاشةٍ صغيرة بجانب الحاضنة، مغطاة بطبقة سميكة من الجليد. مسحتها بأكمامها المرتجفة، فظهرت واجهة قديمة بلغة علمية هجينة… لكن الجزء الأبرز كان ملفًا بعنوان:
"RE:GENESIS – محاولة استرجاع العقل الأعظم."
فتحت الملف.
---
السجل الصوتي – المؤسِّس الأصلي للبرنامج:
> "لقد خسرناه… لقد مات قبل أن يُكمل المعادلة. ما كان يمكنه أن يفعله، لو عاش يومًا آخر فقط… لو منحناه جسدًا أكثر تحمّلًا… لو فهمنا الدماغ كما يفهم هو النجوم... ربما الآن لَما عشنا في هذا الجهل. هو ليس عالِمًا فقط. هو مشروع عودة للحقيقة. للمعرفة قبل أن تُنسى."
---
بدأت الكلمات تُترجم في عقل رونا كضجيج داخلي.
الهدف لم يكن صنع جندي، ولا كائن خارق.
بل كان المشروع كله يدور حول استرجاع شخص واحد:
عقل بشري ميت، عالِم يُعتقد أنه الوحيد الذي كاد أن يصل لحل لغز الوجود.
لكنه مات. فجأة. قبل أن يُكمل بحثه.
وكل هذا الجنون داخل المنشأة... كان محاولة لصنع جسدٍ يتحمل وعيه.
كانوا يأخذون خلايا من كل شخص يتمتع بخصائص دماغية أو جسدية خارقة، يحاولون تنسيق الأعضاء، وربطها ببقايا الدماغ المحفوظ في كابسولة زمنية... لكنها تفشل.
مرة بعد مرة.
ولهذا كانت تلك الجثة في الحاضنة مكوّنة من مزيج.
لأنهم كانوا يبحثون عن "الحاوي الكامل" — الجسد الذي يمكنه أن يتحمّل عودة هذا الوعي.
وعلى الشاشة، ظهرت كلمة واحدة، وامضة:
النسخة الأقرب للنجاح: [AD-0]
---
تجمدت رونا في مكانها.
آيلي… ليست تجربة مستقلة.
إنها الأقرب… إلى أن تكون "الوعاء النهائي" لعودة هذا العقل المفقود.
والمأساة الحقيقية أن لا أحد يعلم هل ما بداخلها… هو آيلي نفسها؟
أم شيء آخر بدأ يستيقظ.
بينما كانت رونا تحدق في شاشة "RE:GENESIS"، ظهر خيار صغير في الزاوية، مشفَّر بعنوان:
[تم الوصول - المستوى C-0]
تحته:
تسجيل مرئي – البروفيسور م.آي. ألين
ضغطت عليه.
---
ظهر وجه امرأة مسنّة، باردة الملامح، شعرها الرمادي مربوط بإحكام. كانت تتحدث بنبرة صارمة، خلفها معمَل مغطى بضوء أزرق خافت.
البروفيسور ألين – (تتحدث ببطء):
> "إذا وصل أحد لهذا التسجيل، فهذا يعني أن مشروع AD-0 ما زال على قيد العمل... أو أن ابني — ألفريد — بدأ يتساءل."
(تسكت لثوانٍ، ثم تنظر مباشرة للكاميرا.)
> "لن أطيل. آيلي لم تولد… بل صُمّمت."
> "لم تكن نطفةً ولا بويضة. بل كانت تكوينًا بشريًا مصنّعًا بدقة شديدة، باستخدام خريطة جينية مأخوذة من ألفريد نفسه، بعد تعديلات طبقية على مستوى ما فوق الجينات. كنا نريد عقلًا نقيًا، مستقرًا، وهادئًا تمامًا."
(تخفض رأسها)
> "لكن... فشلنا."
> "آيلي لم تكن كما توقعنا. منذ لحظة 'استيقاظها'، بدأت تُظهر تفاعلًا شعوريًا غير مُبرمج… بدأت تقول كلمات لم نُدرجها في شيفرتها. كانت تهذي بأشياء عن الموت، عن الظلال، عن رجال بلا وجوه."
> "وحين سألها أحد الفنيين عن اسمها، قالت: أنا لست آيلي. أنا بقايا شيء أعظم."
---
تجمدت يد رونا. ضغطت لإكمال التسجيل.
البروفيسور ألين:
> "لقد أردنا فقط أن نصنع ترياقًا… لم نظن أنه سيأتي معها."
> "بعد أيام، بدأت الجثث في المشفى تفقد الوعي، رغم موتها."
> "اكتشفنا أن وعيًا غير مرئيًا... بدأ يتمركز داخلها."
---
فجأة، تشوشت الصورة.
ظهر مشهد سريع من غرفة عمليات — يظهر فيها ألفريد، وهو طفل صغير، واقف خلف زجاج، يراقب طفلة في كابسولة مائية.
كانت الطفلة تنظر له، وتبتسم.
لكن في عينيها... ظلال، لا تشبه الأطفال.
---
التسجيل الأخير بصوت خافت للبروفيسور:
> "ألفريد... إن أحببتها، لا تقترب منها. وإن اقتربت منها… فلا تتوقف عن الحب، مهما تغيّرت."
---
في هذه اللحظة، انقطعت الكهرباء مؤقتًا في الطابق، وظهر وجه آيلي على إحدى الشاشات المجمدة — ليست كاميرا مباشرة، بل تسجيل من أيام مضت.
كانت تقول:
> "لا شيء يعود كما كان... لا شيء وُلِد صدفة."
رونا، تلهث من فرط التوتر، تدفع بابًا صغيرًا خلف غرفة العزل في المشفى، تؤدي إلى قبو غريب لم يُذكر في أي مخطط.
الهواء أثقل… والممرّات تملؤها ملصقات محذوفة بالليزر، لا يمكن قراءتها إلّا بضوء فوق بنفسجي.
وفي نهاية الممر، غرفة صغيرة تُفتح تلقائيًا عند اقترابها، تُضاء بضوء أخضر خافت، يُظهر على الجدران كتابة يدوية محروقة بنقش ناري:
"النسيان ليس خلاصًا، بل تأجيلٌ للكارثة."
---
في الداخل:
خزانة زجاجية طويلة، بها جسد بشري... محفوظ في سائل داكن، مختلف عن كابسولات التخزين المعتادة.
وجه الجسد مشوّه جزئيًا، لكنه لا يزال يحتفظ ببقايا ملامح حادة وذكية. على جبهته، قطعة معدنية محفورة بالرمز:
Λ.Σ.Δ–01
---
رونا تقرأ التقرير المغلق على الطاولة، مكتوب عليه:
> "ملف C/ΔR-01 — دمج غير مكتمل / إيقاف طارئ"
تفتحه. تظهر معلومات خطيرة:
الاسم الرمزي: العقل الأعظم – Fragmentum Veritatis
الأصل: مجهول، غير بشري بالكامل. يُعتقد أنه وعي مُستخرج من نقطة اختفاء غير زمنية.
الهدف: تحميل هذا الوعي داخل مضيف بشري كامل النمو لاختبار تأثير المعرفة الفوق-كونية.
النتائج: فشل ذريع. المضيف احترق من الداخل خلال أول دقيقة، لكن الوعي لم يختفِ.
التقرير النهائي:
> "الوعي لا يمكن حصره في هيكل بشري طبيعي. لكننا لاحظنا انحرافًا بعد التجربة: آيلي بدأت تتحدث بعبارات غير مسجلة في برامجها، رغم أنها لم تكن قريبة من التجربة."
---
رونا تتجمد.
ثم تقلب الصفحة الأخيرة… صورة مأخوذة بكاميرا حرارية بعد التجربة، تُظهر آيلي — وهي واقفة خلف الزجاج دون أن يلاحظ أحد، تراقب التجربة بعيون حمراء متوهجة، رغم أنها كانت في وضع السُبات.
---
فجأة، تُصدر الكبسولة صوتًا. فقاعات تظهر في السائل.
العيون المغلقة للجسد... تفتح ببطء.
رونا تقف مشدوهة، يداها ترتجفان وهي تُحدّق في عيني الجسد داخل الكبسولة وقد بدأتا تتحركان ببطء. فجأةً…
ينطفئ الضوء الأخضر.
يحل الظلام، فقط صوت قطرات سائل تقطر من الأنابيب.
ثم—
يظهر وميض خاطف خلفها، كأنه ومضة من فلاش قديم.
