الفصل الاول [AD-50] - 2

الفصل الاول [AD-50] - 2
المؤلف علي المرتضى
تاريخ النشر
آخر تحديث

 Part Two 




> في تلك الليلة، جاءني اتصال من رقم مجهول.



رفعت الهاتف.

صوت وليام.

ــ "الترياق لم يفعل ما كنتَ تتوقعه... لقد كسر القفص فقط."

سألته: ــ "قصدك الألم؟"

ــ "بل الذي خلف الألم."

صمت قليلًا، ثم قال: ــ "أيلي كانت تعرف. كانت أول من سمعت الأصوات... وقررت ألا تُنكرها."

ــ "أين هي؟!"

ــ "أقرب إليك مما تعتقد."


---

> في اليوم التالي، بدأت رونا تتغير.



كانت تجلس لساعات أمام النافذة، لا تتحرك.

تتكلم أحيانًا بكلمات غريبة، وكأنها تُترجم لغة غير بشرية.

سألتها: ــ "هل أنت بخير؟"

قالت بصوت بارد: ــ "ألفريد... هل سبق وشعرت أن جسدك مجرد ضيف؟"

لم أُجِب. فقط نظرت إليها، وبدأ شيء داخلي يتمزق.

كانت رونا تنهار ببطء... أو تتحوّل.


---

> في الليلة الرابعة، سمعت صوتًا في المختبر.



نزلت وحيدًا.

لم يكن هناك أحد — إلا الضوء الخافت، ودفتر جلدي مفتوح على الطاولة.

دفتري.

قلبت الصفحة الأولى... لم يكن خطي.

كُتب فيها: "الفصل التالي... لن تكتبه وحدك."

رفعت رأسي، وفي الزجاج أمامي، كان انعكاسي... يبتسم.

لكنني لم أكن أبتسم.

 > اختفت أيلي.



لم يكن هناك صراخ، ولا آثار مقاومة، ولا حتى بصمة واحدة.
على طاولتها وُجد دفتر صغير مفتوح على صفحة وحيدة، كُتب فيها بخطٍّ واضح:

"نحن لا نصنع الوحوش، بل نوقظهم."

قرأ ألفريد العبارة مرارًا، ثم أغلق الدفتر ببطء، كأنه يحاول حبس الحقيقة بين صفحاته.

رونا كانت ترتجف بجانبه. همست:

ــ "أين ذهبت؟"

لم يجب. عينيه كانتا تحدّقان في أحد أنابيب الاختبار، كأن فيه انعكاسًا آخر، غريبًا… لم يكن وجهه، بل وجهٌ لا يعرفه.

خرج من المختبر دون أن يتكلم. خطواته كانت سريعة، لكنها بلا وجهة واضحة.

في الممر، مرّ بجدار رمادي كان قد رسم عليه خطًّا أحمر أيام التجارب الأولى.
الخط الآن امتدّ من تلقاء نفسه، ملتويًا كأنه ينزف.

توقف.

أنصت.

لم يكن هناك صوت… سوى شيء واحد.

نبض.

كأنه آتٍ من الداخل، من الجدران ذاتها.

عاد إلى الغرفة رقم 3، حيث كانت أول تجربة لوليام.
فتح الباب ببطء.

الغرفة فارغة.

لكن الأرضية كانت محفورة، دوائر دقيقة تشبه رموزًا علمية، لكنها ليست من علم الكيمياء… بل من شيء آخر.

اقترب ألفريد منها، ثم سمع همسًا من خلفه:

ــ "ألم أقل لك أن الصمت ثقيل؟"

استدار بسرعة.

لا أحد.

الغرفة كانت كما هي… إلا أن الدائرة في الأرض بدأت تتوهّج ببطء.

 ظل ألفريد يحدّق في الدائرة المتوهجة، كأن شيئًا ما يتشكّل تحت الأرض.
كان الضوء نابضًا، ينبض كما لو كان قلبًا… أو رحمًا لولادة ثانية.

وفجأة، انطفأ.

الصمت مرّة أخرى.

لكن حين استدار ليغادر، وجد على الجدار المقابل… ظِل وليام.

ليس وليام، بل ظِلّه فقط، كما لو أن الجدار قد ابتلعه ولم يُبقِ سوى بقايا وجوده.

اقترب ألفريد ببطء. رفع يده ولمس الجدار، فشعر ببرودة غير مألوفة.
ثم رأى شيئًا… شيئًا صغيرًا جدًا… في زاوية الغرفة.

شريحة بيانات.

أخذها فورًا وأدخلها في جهاز الأبحاث المحمول.

ظهرت شاشة سوداء، ثم سطر واحد:

> "الطور الرابع بدأ قبل 72 ساعة. ما ترونه الآن ليس وليام. بل النتيجة."



انحبس نفس ألفريد.

فتح ملفات الفيديو المرفقة.
ظهر وليام في أحد المقاطع، جالسًا في زاوية الغرفة، يتنفس بهدوء… ثم فجأة بدأ جلده يتقلّص كأن شيئًا ما تحته يتحرّك.
بدأت عظامه تتداخل، تتكثف، وتعيد تشكيل نفسها.

ــ "هذا… ليس تحوّلًا بيولوجيًا…" تمتم ألفريد.

كان وليام يتحول، لكن ببطء شديد… بطريقة دقيقة جدًا، كأن جسده يعيد برمجته الجينية، ليس بفعل تفاعل، بل بفعل قرار.

في نهاية المقطع، نظر وليام إلى الكاميرا مباشرة… وقال شيئًا واحدًا:

ــ "أراكم في المرحلة الأخيرة."

ثم انتهى التسجيل.


---

خرج ألفريد من الغرفة، قلبه ينبض كما لم ينبض منذ أول يوم في المشروع.
في الممر، كانت الأرض مبتلة بخطوط سوداء… ليست دمًا، وليست زيتًا، بل مادة لزجة ذات لمعان معدني.

اتّبعها.

أوصلته إلى الباب الخلفي لمركز الأبحاث.

كان الباب مفتوحًا.

خلفه، على الحائط… كُتب شيء بخطٍ بشري، لكنه مضطرب:

"AD-50 لم يكن ترياقًا… كان اختبارًا."

ثم… سُمع صوت حفيف في الهواء.

ألفريد استدار ببطء.

هناك في الظل… وقف ولـيـام.

لم يكن يتنفس.

لم يكن يرمش.

وجهه كان يحمل بقايا ملامحه القديمة، لكن عينيه لم تعودا بشريّتين.
فيهما اتّساع غير طبيعي… كأنهما ثقبان في الوعي.

قال بصوت منخفض، لا يشبه صوته أبدًا:

ــ "أتعرف ماذا يحدث عندما تعيد كتابة الإنسان؟"

لم يجب ألفريد.

تابع وليام:

ــ "لا يعود إنسانًا… لكنه لا يصبح شيئًا آخر أيضًا."

ثم تقدّم خطوة واحدة.

كل ما حوله بدأ يرتجّ، كأن وجوده وحده يكفي لخلق خلل في التوازن الفيزيائي للمكان.

تراجع ألفريد خطوةً إلى الوراء، يراقب المخلوق الذي كان وليام.
لم يتكلم، لم يصرخ، لم يركض. فقط أدرك — في لحظة خاطفة — أن وليام لم يتحوّل… بل تحرّر.

تحرّر من كونه بشريًا.

وفجأة، بدأ وليام يتلاشى في الهواء.

لكنها لم تكن عملية اختفاء عادية… بل تبخّرٌ مركّز، كأن الجزيئات اختارت الانفصال طوعًا.
وفي لحظةٍ خرساء، لم يبقَ شيء سوى أثر رطب على الأرض… وأزيز إلكتروني خافت بقي يتردد في الجدران.


---

في الجهة الأخرى من المجمع، داخل أحد الأروقة الباردة…

جلست رونا أمام شاشة أمان متضررة، ويدها ترتعش وهي تعيد تشغيل التسجيلات القديمة.

كل شيء في هذه المنشأة كان ينهار، لكن شيئًا بداخلها كان يُلزمها بالبقاء.

فجأة، ظهرت صورة… قديمة.

آيلي.
لم تكن وحدها.

كانت واقفة أمام خزانٍ زجاجي… وداخل الخزان، كان هناك جنين.

لكن ليس جنينًا بشريًا.

كان أقرب لما يمكن تسميته بـ "المنحوت الجيني". لا نبض، لا حركة. فقط وجود مجمّد.

وسمعت رونا صوت آيلي في التسجيل، تحدثت همسًا:

ــ "نحن لا نصنع الوحوش… نحن نوقظها."


---

تتجمد رونا.

تبحث في أرشيف الملفات وتفتح مجلدًا بعنوان:

[AD-50_ORIGIN_CORE]

ويظهر اسم آيلي كباحثة أولى، لكن الأغرب هو اسم الملف الداخلي:

[ELI_α - الفئة الأولى الناجية من دم الحَرف].

لكن قبل أن تفتحه، ينطفئ النظام.

كأن هناك أحدًا آخر أوقف كل شيء من الخارج.

رفعت رأسها، وكان هناك شيء خلف الزجاج الأمامي للمختبر.

ظلّ. لا يتحرّك.

له عينان تلمعان باللون الأزرق الداكن… تمامًا كما كانت في ملف وليام.

لكن هذا ليس وليام.

إنه… نَسْخَة.


---

ألفريد في هذه الأثناء كان يحاول الوصول إلى النفق الجنوبي، حيث ترددت إشارات حرارية غير معتادة.

وفي قلب النفق، وجد بابًا معدنيًا عتيقًا، عليه علامات محيّرة، كأنها طلاسم علمية.

فتح الباب، ودخل.

وفي الداخل…

وجد آيلي.

تجلس وحدها وسط غرفة دائرية، تُحيطها شاشات غير متصلة، وكل شيء مغطى بغبارٍ رمادي ناعم.

قالت دون أن تلتفت:

ــ "لقد وصلنا للنقطة التي لا يمكن فيها العودة… أليس كذلك؟"

اقترب ألفريد بحذر، يسألها:

ــ "ما الذي فعلتموه هنا؟ ما الذي كان وليام عليه؟ وما هو هذا الطور الرابع؟"

آيلي صمتت.

ثم تمتمت:

ــ "الطور الرابع لم يكن تطورًا… بل عودة. نحن لم نمنحهم قوة… بل أيقظنا سلالة نائمة منذ ما قبل التصنيف البشري."

سألها:

ــ "أيّ سلالة؟"

أجابت، وهمست:

ــ "نحن لا نعلم اسمها… لكن دمها يسمّى 'دم الحَرف'."

ــ "والـ AD-50؟"

ــ "كان المفتاح. وليس الترياق."
[المشهد: النفق الجنوبي - بعد لقاء ألفريد وآيلي]

تلاشى صوت آيلي، كما لو كانت الكلمات تُنسى بمجرد النطق بها.

أدار ألفريد رأسه فجأة.

لم تكن آيلي خلفه.
ولا في أي مكان من الغرفة.

كأنها لم تكن هناك أصلًا.


---

بدأ يعود أدراجه، لكن كلما خطا خطوة في النفق الطويل، كان يسمع خطوات تُحاكيه.
صدى؟ ربما.

ثم… همس.

ــ "ألفريد… أنت تعلم أن هذا لم يكن خطأ."

تجمّد في مكانه.
الصوت كان مألوفًا.

ــ "وليام؟" قالها بشبه يقين.

نظر خلفه… ورآه.

وليام، لكنه لم يكن وليام العادي.
جسده كان شفافًا، شبه مشعّ، يطفو في الهواء… وجهه ساكن، بلا ملامح.

ــ "لقد أخطأنا التقدير. لم نكن نُجري تجربة… كنا نُفتح بابًا."

أراد ألفريد أن يتكلم، لكن الظل ابتلع الصمت، واختفى وليام كدخانٍ جافّ وسط الفراغ.


---

[المشهد: الطابق الثالث – المختبر المهجور – رونا]

رونا فتحت المصباح اليدوي وتوجهت نحو القاعة D7.

الهواء بارد، كأن المكان يتنفس وحده.

أثناء فحصها لخزنة بيانات، لاحظت انعكاسًا في الزجاج الأمامي.

شخص… خلفها.

استدارت ببطء.

لا أحد.

لكن شيء كتب على الزجاج من الداخل… بخط يدوي:
"لم أكن جزءًا من المشروع… كنت أساسه."

ارتعشت.

ــ "آيلي؟" همست، وكأنها تعلم مسبقًا من كتبها.

ومن بعيد، في نهاية الممر، ظهرت امرأة ترتدي معطفًا أبيض طويلًا، تتقدّم ببطء، ثم توقفت.

وجهها مغطى بالظل، لكن عيناها تشعّان بضوء أبيض خافت.

وبدون أن تفتح فمها، سمعت رونا صوتًا مباشرًا داخل رأسها:

ــ "أنتِ أيضًا… تحملين أثر الدم."

اختفت.


---

[المشهد: غرفة المراقبة المركزية – ألفريد]

عاد إلى المحطة الأساسية، وجد دفترًا مفتوحًا، لا يذكر أنه رآه من قبل.

على الغلاف:

[دفتر وليام – الجزء الثاني – لا يُفتح إلا إن كنت نادمًا]

تردد…

ثم فتحه.

أول سطر:
"أنا لم أمت… أنا ببساطة توقفت عن الوجود في بُعدكم هذا."


---

[المشهد الانتقالي – قاعة الحفظ المجمدة – تحت المنشأة]

في غرفة لم تُفتح منذ أكثر من عشرين عامًا…
جهاز تنفس صغير يبدأ بالعمل ذاتيًا.

وضوء أحمر صغير يومض فوق أحد الخزانات.

يُكتب عليه:

E.α-01
حالة: نشاط بطيء / الطور غير المكتمل.
الدم: مُشتق من الحَرف.

وفجأة…

تفتح العين داخل الخزان.

[المشهد: القاعة الوسطى – ممر G-13]

كان الحارس "ماكس" يقوم بجولته الروتينية، يسجل الملاحظات في جهاز التتبع المحمول.

كل شيء يبدو طبيعيًا... حتى لاحظ أن الأرض مبللة.

انحنى.

دم.

لم يكن هناك جثة، ولا أي أثر للسحب أو المعركة. فقط بقعة دم كبيرة جداً تملأ وسط الممر.

فتح جهازه وأرسل بلاغًا فوريًا.

بعد ثوانٍ...
الأنظمة أطلقت إنذارًا تلقائيًا:

"تحذير: الطابق الثاني - حالة طوارئ من الفئة B - استعد للإغلاق الكامل."

لكن لم يكن هناك أي اختراق…
ولا حتى حركة في الكاميرات.


---

[المشهد: غرفة الطوارئ – ألفريد ورونا]

ــ "ماذا يعني هذا؟" قالت رونا، وهي تنظر إلى الشاشة التي تظهر إشعار الطوارئ.

ألفريد كان يقلب ملفات السجلات القديمة، حين سحب ملفًا بعنوان:

"نمط العدوى الصامتة – مرحلة ما قبل الإدراك."

فتح الملف، فوجد ملاحظة مكتوبة بخط وليام:

> "الكائن لا يهاجم. بل يجعلك تشعر بوجوده… ثم يتركك تتحلل من الداخل."



رونا نظرت إلى الشاشة:
العدّ التنازلي بدأ… إغلاق المنشأة خلال 9 دقائق.

ــ "ما الذي يفعله النظام؟ لا يوجد أي خلل، كل شيء مستقر!"

ألفريد ببطء قال:
ــ "ليس النظام… الذي يُغلق المكان."

صمت.

ثم… كل الأضواء تنطفئ فجأة.


---

[المشهد: الطابق السفلي – أمام الخزان E.α-01]

عين الكائن داخل الخزان لم تعد مغلقة.

بل كانت تتابع الكاميرا… بثبات.

ثم بخفة، في الجدار المقابل للخزان، يظهر كتابة حديثة كُشطت بالأظافر:

"نحن لا نصنع الوحوش… نحن نُوقظهم."

والمصباح الأحمر يتحول إلى أخضر.


---

[المشهد السريع: غرفة التحكم – أحد الفنيين مقتول]

الفني "ديمتري"، أحد القلائل المتبقين في المنشأة، يُعثَر عليه في زاوية الغرفة…
بلا أي أثر اقتحام،
لكن وجهه مجمّد… وكأنه رأى شيئًا لا ينبغي رؤيته.
[المشهد: المنشأة – الدقيقة 8 قبل الإغلاق الكامل]

رنّ صوت معدني عبر السماعات الداخلية:

> "يُرجى من جميع الموظفين التوجه إلى أقرب نقطة أمان. المنشأة تدخل حالة تطهير."



رونا نظرت إلى ألفريد وقالت بصوت منخفض:
ــ "تطهير؟ هذه الكلمة لا تُستخدم إلا في حالتين… إما وجود تسرّب بيولوجي، أو…"
توقفت.

ألفريد أضاف:
ــ "…أو وجود كيان غير مسجّل في قاعدة البيانات."

نظر كلاهما إلى الشاشة.
الكاميرا رقم 13 تحركت من تلقاء نفسها، ثم توقفت على صورة واحدة:

إيلي.

كانت تمشي في ممر فارغ… لوحدها، لكن ظلها منقسم إلى اثنين.


---

[المشهد: غرفة الحماية 2B – وليام؟]

في الظلام، يظهر ظل يجلس بهدوء على أحد الكراسي الحديدية.

الصوت الخفيف لنبضات كهرباء الجهاز القديم يعبّر المكان.
تقترب الكاميرا البطيئة من وجهه…

إنه وليام.

لكن ليس كما كان.

وجهه هادئ… عيونه زجاجية…
وبجانب قدميه، بقعة دم ليست له.

نظر إلى الأمام… وقال بصوت خافت، كأنه يتحدث لشيء لا نراه:

ــ "لقد كنت أداة. الآن أنا مرآة."

وخلفه…
في الجدار الزجاجي، يكتب شيء بالعكس:
"مرآة الحقيقة تُكسر، لكن لا تختفي.. 


تعليقات

عدد التعليقات : 0