الفصل الأول [AD-50] - 1

الفصل الأول [AD-50] - 1
المؤلف علي المرتضى
تاريخ النشر
آخر تحديث

 ParOne 




الفصل الاول / مجرد البدايه 

> لم يكن أحد يعلم أن العالم على وشك الانقلاب.

لم تكن هناك عاصفة، ولا صفارات إنذار. فقط صباحٌ عادي يشبه آلاف الصباحات التي سبقته.

الناس يمشون، يشترون، يضحكون، يصرخون، ينسون.

لكن في أعماق مدينة غارقة بالهدوء، كان هناك من يعمل على تغيير كل شيء.

اسمه ألفريد.
---
> ألفريد لم يكن وحشًا... لا حين بدأ على الأقل.

كان طالبًا متفوقًا. لا، ليس متفوقًا فحسب — عبقري.

منذ طفولته، كانت حياته مصفوفة من القواعد: لا لعب، لا راحة، فقط كتب... فقط دراسة.

والده كان يقول له:
ــ "من لا يذاكر، لا يعيش."

ووالدته تردف:
ــ "السعادة للجهلة، ونحن لا نلد جهلة."

فحَفَرَ ألفريد نفسه في صفحات الكيمياء، وأصبح الأول دائمًا. الأول في المدرسة، في المدينة، وفي النهاية... في كل شيء.
---
> عندما وصل للجامعة، اختار أصعب طريق: الكيمياء النووية.
لم يَفعل ذلك حبًا بالمادة، بل رغبةً في السيطرة — على الألم، على الضعف، على الوجود.

كان يريد أن يعرف كل شيء. أن يفهم لماذا يشعر البشر بالألم. ولماذا يموتون. ولماذا يخافون.
---
> في عامه الثاني، بدأ مشروعًا سريًا.
كان يسميه " الترياق".

هدفه؟
خلق مركّب يجعل الإنسان أقوى، أسرع، وأكثر تحمّلًا.
بل ويُعطل مراكز الألم في الدماغ مؤقتًا دون التأثير على الوظائف الحيوية.

بدا له الأمر بسيطًا. مزيج من مثبطات الأعصاب، منشطات عضلية، ومركبات جزيئية جديدة صنعها بنفسه.

لم يخبر أحدًا. لا أستاذًا، ولا طالبًا. فقط دفترٌ جلديّ مخبّأ تحت سريره يحتوي كل شيء.
---
> ذات مساء، بعد تجربته الفاشلة الثالثة على فئران المختبر، قال لنفسه:
ــ "الحيوانات ضعيفة. أحتاج شيئًا أقرب للإنسان..."

فتح حاسوبه، وراجع ملفًا حكوميًا خاصًا كان قد حصل عليه بترخيص نادر:
إمكانية اختبار العقاقير على السجناء المحكومين بالإعدام.

كانت فرصة... ومخاطرة.
---
> السجين الذي اختاره كان يُدعى "وليام".

طويل، قوي، هادئ. وجهه لا يظهر عليه أي تعبير.

كان قاتلًا متسلسلًا، لكن ألفريد لم يهتم:
ــ "الهدف هو التجربة، لا الأخلاق."

عندما رفض وليام، قال له ألفريد بهدوء:
ــ "إذا نجحت التجربة، سأحرّرك. رسميًا... أو بطريقة أخرى."

صمت وليام طويلًا. ثم قال:
ــ "إذا حاولت خداعي، سأقتلك قبل أن تموتني."

ــ "عادل."
---
> عاد ألفريد إلى مختبره. اتصل بشخص واحد فقط: رونا.

رونا كانت زميلته منذ الطفولة، ابنة عائلة صارمة كعائلته، وعبقرية مثله... لكن مختلفة.

كانت تخاف من كل شيء: الأخطاء، الفشل، المفاجآت.

عندما أخبرها عن التجربة، صرخت في الهاتف:
ــ "هل فقدت عقلك؟!"

ردَّ بهدوء:
ــ "ربما... لكنني سأكتشف شيئًا لا أحد قبلي اكتشفه."

بعد ساعتين، كانت واقفة في المختبر، ترتجف لكنها حاضرة.
---

> ثم جاءت أيلي.
العالمة الأغرب في المعهد.

كانت تملك قدرة خارقة على معرفة ما إذا كانت تجربة علمية ستنجح أم لا... قبل تنفيذها.

لم تقل شيئًا. لم تحذّر، ولم تؤيد.

فقط قالت بصوت خافت:
ــ "أنا لا أحب الصمت، وأشعر أن هذا الصمت ثقيل."

ردّ ألفريد بابتسامة:
ــ "بل هو الهدوء... قبل ثورة."

> كانت التجربة على وشك البدء..

رونا تمسك بالإبرة، يدها ترتجف قليلاً رغم أنها حاولت أن تبدو ثابتة. وليام جالس بصمت، ذراعه ممتدة، عينه اليسرى تراقب تحركات ألفريد.

قال ألفريد بنبرة هادئة أشبه بالبرد: ــ "هل أنت مستعد؟"

ــ "أنا لا أستعد. أنا أنتظر."

أومأ. ضغط زرّ التشغيل على الجهاز المتصل بالإبرة، وبدأ المركّب AD-50 بالتسلل إلى دم وليام.

لحظات... لا شيء.

ثم ارتجف جسد وليام بعنف، حتى كاد يقتلع القيود من السرير.

صرخت رونا: ــ "أوقفه! سيتحطم الجهاز العصبي!"

لكنه لم يوقف شيئًا. كان يراقب.

بعد ثوانٍ، توقف الارتجاف... فجأة.

فتح وليام عينيه، وتنفّس ببطء.

قال: ــ "أشعر كأن شيئًا استيقظ داخلي."

سأله ألفريد بهدوء: ــ "ألم؟"

هزّ رأسه: ــ "لا شيء. لا وجع. لا حرارة. فقط... وضوح."


---

> خلال الأيام التالية، راقبوا وليام كمن يراقب زلزالاً ساكناً.



سرعته تضاعفت. قدرته على التحمّل تجاوزت التوقعات. حتى جروحه بدأت تلتئم أسرع من المعتاد.

لكن شيئًا آخر تغيّر.

لم يعد يتحدث كثيرًا. عينه صارت أكثر حدة، أقل إنسانية.

قالت أيلي ذات يوم: ــ "هذا ليس تحسينًا... هذا انتقال."

سألها ألفريد: ــ "انتقال إلى ماذا؟"

قالت دون أن ترفع عينيها عن الشاشة: ــ "إلى ما بعد الإنسان."


---

> ذات ليلة، اختفى وليام.



لا آثار، لا كاميرات، لا إنذار. فقط غرفة فارغة وسرير بارد.

رونا انهارت. أيلي لم تقل شيئًا. أما ألفريد، فجلس طويلًا يكتب في دفتره:

"التجربة نجحت. لكننا لم نحدد الثمن بعد."

في اليوم التالي، ظهرت أول حالة قتل غير مفسرة خارج المعهد.

جثة بلا دم. بلا أثر.

لكن الغريب... أن عين القتيل كانت مفتوحة، وفيها انعكاس غامض، كأنه ظل رجلٍ يبتسم.
 > لم تكن هناك آثار مقاومة. لا زجاج مكسور، لا بقع دم، لا باب مخلوع.



فقط المختبر صامت... والهواء مشبع برائحة الحديد.

رونا فتحت الدفتر بيدين مرتجفتين. الصفحة الأخيرة كانت تحمل جملة واحدة، مكتوبة بخطّ أيلي المنمق: "نحن لا نصنع الوحوش... بل نوقِظهم."

نظرت إلى ألفريد، عيناها مليئتان بشيء بين الرعب والخذلان: ــ "ماذا يعني هذا؟ أين هي؟"

لكن ألفريد لم يجب. كان يحدق في الفراغ، كأن شيئًا في داخله انكسر للتو.

في الزاوية، لاحظ بقعة خضراء صغيرة على الأرض — تشبه بقايا مركب AD-50... لكن اللون أغمق.

انحنى وفحصها بإصبعه، رفعه أمام عينيه، تمتم: ــ "هذا ليس تركيبي... أحدهم عدّل على الترياق."

رفعت رونا حاجبيها: ــ "أيلي؟"

هزّ رأسه ببطء، ثم قال: ــ "أو وليام."


---

> في الزنزانة الخاصة، لم يكن هناك أحد.



الأصفاد كانت ما تزال مغلقة، لكن وليام اختفى. لا حفر، لا تهشيم... لا شيء.

على الجدار الخلفي، خُدش بأظافر قوية نقش بدائي: "من يستحق الحرية... لا يُسجن."

نظر ألفريد إلى العبارة، وأحس بشيء يجري في عموده الفقري، كأن كيانه كلّه ارتعش.

قالت رونا: ــ "علينا إبلاغ الشرطة."

لكنه أجاب بهدوء: ــ "لا فائدة. الشرطة لا تحارب الأشباح."


---

> في الليلة ذاتها، وصلت رسالة إلى هاتف ألفريد.



رقم مجهول. صورة فقط.

فيها: انعكاس مرآة، يظهر فيه وجهه... يقف خلفه وليام، بلا تعبير.

لكن في الواقع، لم يكن أحد خلفه.

أغلق الهاتف ببطء، وابتسم ابتسامة لم تكن ابتسامة: ــ "لقد بدأ اللعب."

 > ترك ألفريد الهاتف على الطاولة، ثم جلس بهدوء.
في العادة، كان يحلّ أعقد المعادلات تحت ضغط.
أما الآن، فلم يكن يبحث عن حل... بل عن سؤال.



قالت رونا من خلفه: ــ "هل تعتقد أنه يراقبنا؟"

لم يجب. كان يحدق في الشاشة التي أُطفئت تلقائيًا، يتأمل انعكاسه كما لو أنه لم يعد يعرف هذا الوجه.

تمتم أخيرًا: ــ "الدواء... لم يُعطِه القوّة فقط. أعطاه شيئًا آخر."

ــ "أيلي؟"

هز رأسه: ــ "أعتقد أنها اختارت أن تختفي. لا أظن وليام قتلها... على الأقل ليس بعد."


---

> في الساعة الثالثة صباحًا، انقطعت الكهرباء عن المعهد.



صوت مزلاج حديدي اهتزّ في أحد الأجنحة.
تبعه صوت خطوات... لا، ليس خطوات — زحف.

توجه ألفريد ورونا بسرعة نحو المختبر الرئيسي.

عند المدخل، كان الضوء الأحمر الاحتياطي يضيء الممر الطويل.
وفي نهايته، كان هناك جسد.

ركضت رونا أولًا، ثم توقفت فجأة، وصرخت: ــ "لا... لا... هذا مستحيل!"

اقترب ألفريد، ووجده... جسده هو.

نفس المعطف، نفس القفازات، نفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب.

لكن الوجه مشوّه. مشوّه بطريقة كأن أحدهم حاول "إعادة تشكيله"، كما لو أن شخصًا آخر أراد أن يصنع نسخة جديدة من ألفريد... لكنه فشل.

انحنى ألفريد نحو الجثة، وأخرج من جيبها بطاقة تعريف عليها اسمه الكامل... وتوقيعه.


---

> في الطابق السفلي، كانت هناك كاميرا واحدة ما تزال تعمل.



عندما أعادوا تسجيل الفيديو، رأوا اللقطة الأخيرة:

وليام يقف أمام باب زجاجي، يضع يده عليه، ويهمس بشيء لم تُسجله الكاميرا.

خلفه، تقف أيلي. عيناها لا ترمش.

ثم فجأة، نظرت مباشرة إلى العدسة، وابتسمت.

تلك الابتسامة لم تكن ابتسامة ترحيب...
بل رسالة.

كتب ألفريد على دفتره تلك الليلة: "الوحوش لم تخرج بعد. إنها فقط تراقبنا... من الداخل."
 > في اليوم التالي، أُغلقت أبواب المعهد بأمر من مجلس البحث العلمي.



جاءت فرقة تحقيق خاصة، وأخذت نسخًا من كل الملفات، الأجهزة، وحتى الدفاتر الخاصة.

لكن دفتري... لم يكن هناك.
ذلك الدفتر الجلدي القديم الذي بدأ فيه كل شيء... كان قد اختفى.

قالت رونا وهي ترتجف: ــ "ألفريد، هل أخذته أنت؟"

هززت رأسي، ثم نظرت إلى طاولة كانت تحمل ملفًا واحدًا... ملف أيلي.

فتحته.

في الصفحة الأولى، بخط يدها، كانت هناك عبارة واحدة فقط:

"نحن لا نصنع الوحوش... نحن فقط نوقظهم."


---

> في المساء، وبينما كنا نرتب ما تبقّى، لاحظت رونا أمرًا غريبًا.



المجهر الإلكتروني، الذي كان يُظهر التركيب الجزيئي للمركب AD-50، أصبح يعرض نمطًا غير مألوف.

شبكة... شبكة لا نهائية من الخلايا النشطة، تتكلم.

ليس مجازًا — الخلايا تصدر إشارات منظمة، وكأنها تحاول التواصل.

سألتها: ــ "هل سجلتِ هذا من قبل؟"

قالت بصوت خافت: ــ "لا... هذا ليس علمًا، ألفريد. هذا شيء آخر تمامًا."
... 

تعليقات

عدد التعليقات : 0